أهدت وسائل التواصل الاجتماعي للشعوب هديةً عظيمةً، بفتحها نوافذ متعدّدة لمرور الهواء النقي، ما ينعش الضمائر الحية، ويؤكد حريتها في قول ما تشاء.. وعلى هذه الشعوب التمسك بتلك الهدية، بكل ما أوتيت من قوة، واستخدامها في كل ممكناتها التكنولوجية المتاحة.

ما زال وسم #القدس_عاصمة_فلسطين_الأبدية، وحتى بعد مرور أيام على خطوة نقل السفارة الأميركية في الكيان الصهيوني من تل أبيب إلى القدس، يتصدّر قوائم “تويتر“، لا في البلدان العربية وحسب، بل أيضا في نطاق “تويتر” العالمي، تأكيدا على أهمية الحدث الذي نفّذته الإدارة الأميركية أخيرا على أرض الواقع، بعد أن كان مجرّد قرار قديم لم يجرؤ أي رئيس أميركي تعامل معه في السابق على تنفيذه منذ صدوره رسميا في عام 1995.
يقلل كثيرون، معظمهم بحسن نية، من أهمية الحراك الإلكتروني الشامل على كل منصّات الإنترنت والإعلام الجديد، خصوصا وسائل التواصل الاجتماعي، رفضا للخطوة الأميركية المتهورة التي جاءت ترسيخا لفكرة الاحتلال، وتصاعده تدريجيا في الذكرى السبعين لقيام دولة الكيان الصهيوني على أرض فلسطين، ويرون أنها مجرّد صيحاتٍ في وادٍ لا تغني شيئا عن الحراك الحقيقي على الأرض. وعلى الرغم من أننا نوافقهم على أن الحراك الإلكتروني، مهما أوتي من زخم، لا يمكن أن يغني عن الحراك الفلسطيني الحقيقي في الأرض الفلسطينية، والذي لم يقصّر الفلسطينيون فيه، حسب إمكاناتهم المتاحة، بل وتحايلا عليها أحيانا، إلا أن هذا لا يمنع من تذكير المقللين من أهمية الحراك الإلكتروني بأنه نجح، في حالات كثيرة سابقة، في المساهمة في تغيير الرأي العام العالمي تجاه قضايا معينة. وتنبع أهميته من أنه يعتبر الآن مقياسا حقيقيا لرأي الجماهير والشعوب فيما يحدث، بعيدا عن رقابة الحكومات المباشرة، وما تفرضه قوانين النشر في الصحف ووسائل الإعلام التقليدية على سبيل المثال. ففي تلك الوسائل التقليدية من السهل غالبا تقديم صورة متناقضة، أو على الأقل لا تعبّر بدقة عن آراء الجماهير الحقيقية، وهو ما كان يحدث في الماضي، عندما كانت تلك الوسائل التقليدية، من صحف وإذاعات وتلفزيونات رسمية وشبه رسمية، الأداة الوحيدة التي تنشر ما تريد العالم أن يصدّق أنه الرأي العام. أما الآن، فباستطاعة كل فرد يملك جهاز هاتف ذكي أن يعمل على رسم المشهد الحقيقي، كما يراه هو، وبعينيه هو، ووفقا لما يؤمن به هو، ولو بمجرّد تغريدةٍ بكلماتٍ معدوداتٍ، تعبر عن رأيه هو وحده وحسب.
انتهى ذلك العصر الذي كانت الحكومات تحتكر فيه أغلب المعلومات، وتهيمن على أغلب الآراء، وتملك كل وسائل التواصل والاتصال، وتسيطر على معظم وسائل الإعلام، وبالتالي تصيغ من خلال امتلاك ذلك كله واحتكاره، صورة مزيّفة في الغالب، ومبالغا فيها في أحسن الأحوال عن الرأي العام، كما يناسبها وحدها، بغض النظر عن الحقيقة، أو نسبة الحقيقة فيها!
لقد أصبحت الآن المعلومات، بأشكالها وأنواعها ومعطياتها، متاحةً للجميع تقريبا، وبالكلفة نفسها، إن لم تكن بالمجان. وبالتالي، صار من السهل على من يريدها لا أن يبحث عنها بنفسه وحسب، بل أيضا أن يساهم في إتاحتها للآخرين، خصوصا ممن لا يملكون خلفية تاريخية عنها. وهذا ما أصبحت تجيده الجماهير الآن، وبالتالي ما أصبح يخيف معظم الحكومات، لا لأنه يعرقل خططها الدائمة في تزييف الواقع، وإعادة رسمه كما تشتهي أن يسود لمساعدتها على المضي في تنفيذ سياساتها، والتي لا تصب غالبا في مصلحة شعوبها وحسب، بل أيضا لأنه يفقدها جزءا كبيرا من شرعيتها المزيفة، والتي تعتمد على جهل الجماهير الكلي أو الجزئي.
لقد أهدت وسائل التواصل الاجتماعي للشعوب هديةً عظيمةً، بفتحها نوافذ متعدّدة لمرور الهواء النقي، ما ينعش الضمائر الحية، ويؤكد حريتها في قول ما تشاء.. وعلى هذه الشعوب التمسك بتلك الهدية، بكل ما أوتيت من قوة، واستخدامها في كل ممكناتها التكنولوجية المتاحة. فلنناضل، ولو بشقّ تغريدة، إن لم نستطع سواها.