تمثل النكبة الفلسطينية واحدة من أكثر الجراح إيلامًا وتجسيدًا للظلم في العصر الحديث، وقد جاءت انعكاسًا واستكمالًا لصور التهجير والقهر التي عاشتها أوروبا على أيدي أبنائها على مدار سني الحرب العالمية الثانية، وواحدة من الإفرازات التي انتهت إليها تلك الحرب الهمجية، لم يكن للعرب والمسلمين فضلًا عن أن يكون للفلسطينيين يد في ذلك الجنون الذي أخذ مداه على المسرح الأوروبي طيلة الحقبة المشار إليها، ومع ذلك فقد تم استنساخه بمباركة أوروبا وحلفائها واستزراعه بأيدي يهودية –هذه المرة– على الأرض الفلسطينية، وكأن الشعب الفلسطيني هو المسؤول عن سفك دماء عشرات ملايين الضحايا الأوروبيين، أو أولئك الذين قُتلوا من اليهود على يد النازية آنذاك، وكأن اليهود لم يعيشوا أفضل تجارب حياتهم عبر التاريخ في كنف العرب والمسلمين!

تجعل الفظائع التي تبادلتها أطراف الحرب العالمية الثانية على مستوى القتل، أو التهجير، أو التخريب، من الظلم الواقع على الشعب الفلسطيني حالة فريدة من نوعها؛ لأنه لم يتم في سياق القتل والتهجير والتخريب المتبادل بينه وبين الصهاينة المعتدين، كما كان عليه الحال في أوروبا؛ بل كان قتلًا وتهجيرًا وتخريبًا في اتجاه واحد فقط، وقد مارسه المحتلون بحق الشعب الفلسطيني، وبمباركة وتشجيع من الغرب الذي وفر لهم الغطاء والدعم عبر وسائل متعددة.

وعندما تجاوز الغرب آثار حربه الكارثية التي أكلت الأخضر واليابس، وفتح صفحة جديدة في علاقاته البينية، بقيت حقائق العدوان الصهيوني على الشعب الفلسطيني قائمة، وظلت إرادته بالمضي قدمًا في اضطهاده حاضرة. كان يتعين على الغرب أن يستدرك على استمرار الظلم الواقع على الشعب الفلسطيني الذي تم بغطاء منه، طالما أنه قد استدرك على تجربة الحرب الكبرى، والتي أفرزت حالة الظلم الواقع على الشعب الفلسطيني، لكنه أثبت أنه ليس أهلًا لمراجعة أخطائه الشنيعة، طالما أن العرب والمسلمين يمثلون أحد طرفي الصراع، وهي مسألة تتبدى معالمها بوصفها سقطة أخلاقية غربية كبرى، في حين أنها تؤكد من ناحية أخرى أن تجاوز الغرب للمرحلة المظلمة التي خاضها إبان تلك الحرب، لم يكن بدوافع أخلاقية؛ بل مصلحية، نظرًا إلى أن قانون الأخلاق واحد لا يتجزأ، وطالما أنه لم يزل يسجل فشلًا أخلاقيًّا على نفسه فيما يتعلق بالمظلمة الفلسطينية.

لم ينته الموقف الغربي اللا أخلاقي عند حدود الصمت على استمرار جرائم الاحتلال الصهيوني بحق الشعب الفلسطيني؛ بل تجاوزه بصلافة وهو يدافع عن قتل المحتل للمتظاهرين الفلسطينيين الذي يحيون ذكرى الجريمة بحجة الدفاع عن النفس، كما صرح وزير أمريكي مرموق، وهو موقف ينسجم مع الجهود الأمريكية الهادفة لنقل سفارة الولايات المتحدة إلى مدينة القدس المحتلة، وذلك بالتزامن مع ذكرى النكبة الكبرى، وترجمة عملية لقرار ترامب القاضي باعتبار القدس عاصمة للاحتلال الاسرائيلي في وقت سابق. كان هذا شأن أكبر داعمي الاحتلال، لكن ماذا عن شأن أكبر داعمي الحق الفلسطيني المفترض، إنه يواصل الليل بالنهار لإحباط مفاعيل مسيرة العودة، وكأنها تتهيأ لاجتياح قاهرة المعز، فإن لم تكن وجهة المسيرة كذلك، كانت قبلة من يحكمها تل أبيب لا سواها، منطقًا بمنطق.

سيبقى جرح النكبة مفتوحًا، ولن تتم تسويته إلا على حساب المحتل الذي صنعها، ولن تفلح محاولات تدجين وعي الشعب الفلسطيني، أو الجهود الهادفة لإلهائه عبر وسائل شتى في تغيير هذه الحقيقة. ولذلك، فقد جاءت مسيرة العودة الكبرى صاخبة كالإعصار لتأكيد هذا المعنى، معتبرة أن الجرح لم يندمل بعد، وأن الشعب الفلسطيني لم ينس أصل قضيته رغم بعد السنين.

إن ما يميز مسيرة العودة أنها انطلقت من غزة التي يحاصرها النظام الرسمي الفلسطيني- العربي جنبًا إلى جنب مع الاحتلال الإسرائيلي والغرب المتحضر، وبعد أن وصلت جهود تركيع غزة –بتنسيق كل الجهات المذكورة– مرحلة متقدمة جدًا، وبعد أن قرروا وضع أهلها أمام خيار الركوع أو العودة بحياتهم بضعة عقود إلى الخلف، ومع انتظار فريق المحاصِرين لغزة سماع كلمة الاستسلام من أهلها، أو رؤية الراية البيضاء ترتفع فوق أزقة مخيماتها وشوارعها، فاجأهم أهلها بإطلاق مسيرة العودة الكبرى، مؤكدين عزمهم على رد الصراع إلى أصله الأول، ومعلنين بأن مسيرة البحث عن حل له تتشكل هناك، إذ بدأ التهجير والقتل والإحلال، وأن حاجة أهل غزة للكهرباء والطعام وأبسط مقومات العيش لن يكون مدخلًا لذلك الحل بحال من الأحوال، حتى لو أضيف إلى كل ذلك الإفصاح عن نوايا التهجير المخبوءة لهم.

ولعل ما يضفي على المسيرة الكبرى مزيدًا من المعاني أنها انطلقت في الوقت الذي نضج فيه طرح وتسويق ما يسمى بصفقة القرن، تلك الهادفة لتصفية القضية الفلسطينية، وإسدال الستار على فصولها مرة وإلى الأبد، وكأن مطلقيها يقولون إننا لم ننس ولن نتجاوز فصل الصراع الأول، في الوقت الذي تجاهلت فيه مسيرة البحث عن الحلول التفاوضية –التي مر على انطلاقها ما يزيد على ربع قرن من الزمان– حق العودة المرتبط بالنكبة، والتي تشكل جوهر ولب القضية الفلسطينية المعاصرة، مؤكدين أن صفقة القرن لن تبارح أذهان أكابر مجرميها، وأنها لن تصبح واقعًا بحال، وإن أردتم الدليل فانظروا إلى فتيان غزة وشبانها وشيبها ونسائها، واقرؤوا معالم الإصرار المتدفق من عيونهم، ودققوا في رسائل التحدي المرتسمة على وجوههم، تلك التي انتظرتم أن تظهر على صفحاتها معالم الانكسار والذل والاستسلام لحصاركم المجرم. فأين أنتم منهم؟ وأين حصاركم من إرادتهم؟ وأين صفقة قرنكم من مسيرة عودتهم؟

تعانق مسيرة العودة الكبرى سبعينية النكبة لتوجه ضربة موجعة لمحاولات تزييف الوعي وحقائق التاريخ، التي ما انفك الاحتلال عن تغذيتها، من خلال تصوير حدث النكبة الجلل وكأنه حركة استقلال وطني تخص الشعب اليهودي. يفيد هذا المنطق بأنه ما من سبيل لحل وسط للصراع، وقد ترجم الاحتلال هذا المعنى من خلال محاولاته الدائبة لإحلال اليهود محل الشعب الفلسطيني، تلك المحاولات التي لم تتوقف في يوم من الأيام. إنها أسوأ كذبة في التاريخ الإنساني كله، ويتم توظيفها لتبرير تشريد شعب بأكمله، وإضفاء الشرعية الزائفة على هذا الجرم، وإذا كانت المعركة تدور رحاها على هذا الأساس فليوطن المحتلون أنفسهم إذن على أسوأ الاحتمالات، طالما أنهم لم يفلحوا في كسر إرادة الشعب الفلسطيني، أو حمله على القبول بروايته الزائفة للصراع، خصوصًا أولئك القاطنين في غزة العزة، والأيام دول.