في الثلث الثالث من عمرنا، نتأمل مليًّا في ملامحنا. نزورها يوميًّا لنتأكد من حفظنا لانحناءاتها، ولنطمئن إلى أن أيًّا منها لم يسقط من الذاكرة. مع هذا، عندما تجمعنا الصدفة مع شريك ذكرى، كان له يومًا مقعد في مكان ما داخلنا، نتأمل في ملامحه، لكن، الذاكرة لم تسعف اللحظة التي قضت، وفات أوان دهشة المفاجأة. نجلس في المكان نفسه الذي اعتدنا عليه مذ غادرنا الثلث الثاني، لنستذكر كيف آل بنا الحال إلى ما نحن فيه.

في بدايات الثلث الثاني أقحمنا نظام الحكم في نفق مظلم. نفق باتجاه واحد، لا إمكانية لنا فيه للرجوع بسبب تراكم الأشباه، ولا أمل في التقدم السريع لانعدام الرؤية. أصبحنا معلبين. جميل أن يشارك واحدنا أسماك السردين شعورها بتلاحم المصائر. هو نوع نادر من نبل المشاعر، الإحساس بالآخر، سواء أكان هذا الآخر بشرًا أم حيوانًا، حيًّا كان أم مجهزًا للخلود اللذيذ.

يزدحم المكان، وتزداد اللحمة القدَرية بين العناصر المكدسة حد التداخل اللا إرادي، أو التراكب الغريزي، بلا تهوية، وبلا إضاءة. من الآخر، لا يوجد شيء، تقريبًا، لا يوجد شيء، إلا عدوى الحركة الموجية تلك التي تدفعك إلى الأمام مستسلمًا، فتشعر بنفسك كما لو كنت في مِعى وقد تحولت إلى «كيموس»، مثل تحول الطعام إلى شكل سائل لينتقل من المعدة إلى الأمعاء الدقيقة.

نتيجة الكتم والخنقة سيغرقك عرقك. ومع الوقت ستبدأ رائحة التخمر تتكاثف وتنتشر. حينها، سيغزوك شعور من أشعل حربًا كيماوية دونما قصد. وبسبب التزاحم سيتشعث شعرك، نتيجة الحركات الاعتباطية التي ستدفعك إليها تداعيات المغامرة، وتتبهدل هيئتك، نتيجة التكدس الحاصل لكائنات لها ملامح بشرية. ستتحول أنت أيضًا إلى شيء آخر، وسيبدأ شكلك يتغير. وكلما تقدمت في مسيرتك الآلية، كلما اكتشفت أن مزاياك الآدمية تهضم، وتمتص، وتستهلك.

كل هذا يحدث لك وأنت لا ترى شيئًا، لا أين تسير، ولا نهاية المسير. فجأة ستجد نفسك وفد طرحك النظام الهاضم لك إلى الخارج. وعبر التوحد مع هدوء النهايات المنتنة، ستشعر بنوع من الحرية الخاوية، كشيء مفرغ من كل تركيبته الأولى، متحولًا في كل مزاياك. لا تعلم كيف دخلت ولا كيف خرجت، ولماذا تبدلت أوصافك وتغيرت صفاتك. تنظر إلى نفسك، أي رزية، كل شيء فيك تحول، شاخ، امتصه النظام، حتى آدميتك. لكنك في النهاية خرجت، في عملية نوعية من عمليات التحرر العشوائي، أو الندم المتأخر جدًّا.

تتساءل عن الجنون الذي مررت به. لكنك مخطئ، كالعادة، ما مررت به ليس جنونًا، فالجنون يحتاج إلى عقل موجود بداية، ثم يأتي الفقدان، أما والعقل منفي منذ البداية، فما مر بك اسمه استلاب. نعم، استلاب بقوة السلطة.

أما من أين بدأت عملية الاستلاب، فتلك قصة لها شجون. للسخرية، هي بدأت مع بدء الوالدين في عملية البناء الفكري لك، أي منذ بدء عملية تشكيل وعيك في الثلث الأول. أمر مدهش أليس كذلك؟ لا تندهش. اقرأ القصة ثم تفكر، أو اطو الصفحة وانسَ.

جميعنا نعرف قصص سندريلا، وبياض الثلج، والبجعة البيضاء. وكثير منا خضع لعملية الإنصات القسري إلى هذه الحكايات الطارئة على ثقافتنا في طفولته، إنصات يتحول مع الوقت إلى إدمان. وهي فعليًّا عملية الترويض الأولى التي ستخضع لها. أهمل الأهل البعد التربوي وتفقد صلاحيتها لهذا العقل الاسفنجي الذي يتلقفها ويبني أحداثها في خياله الخصب، ويتخذ أبطالها وسلوكياتهم مثلًا في واقعه. تغاضى النظام العائلي عن ذلك في سبيل هدف أسمى: تنويمك، والخلاص من شقاوتك. مع مرور الوقت تتحول حياتك إلى حكاية تشبه ما سمعت في صغرك، توليفة ترهات وتزييف وحماقات بلا عبرة، وربما بلا أخلاق.

من سندريلا وقدمها العجيبة بمقاسها، وأميرها الذي أهمل كل واجب عليه إلا الانتقال بفردة حذاء من قدم إلى قدم، ننطلق. منها تعلمنا اعتناق خيار الإغفاء الوحيد، فيما براءة الخيال ترسم صورة لقدمها المعجزة، وأخرى لتحول البهائم إلى بشر، أو لقادة.

إلى الأميرة بياض الثلج التي أماتتها عضة تفاحة من خالة حاقدة، ولم يمتها الاختناق في التابوت الزجاجي الذي وضعت فيه. لتوقظها فيما بعد قبلة من أمير! أي مكرمة. هل أدركتم أهمية القبل في حياتنا، ولو من الغرباء؟ نتابع، بصمت.

يحلق إدراكنا الذي يصغر ويصغر مع البجعة المسحورة، أوديت، وحبيبها الأمير سيغفريد، الذي حارب الساحر الشرير روزبارث وانتصر عليه. كيف؟ زرع سيفه البارد في قلبه الدافئ بحب أوديت، فانتهت حياة الساحر بمفعول قوة الحب! أي إعجاز ينتجه الانتحار في سبيل قضية.

وهكذا عاش الأمراء أبطال السرديات، عاشوا جميعًا، مع الدببة الثلاثة، بحبور، بعد أن روضوا أحلامنا بالحذاء واللقمة والسيف، عبر ثقافة البلادة التي ربينا عليها، وتقبل ما لا يتقبله عقل حر، فكبرنا على هذه الخزعبلات، حتى رضينا أن يكون حكامنا على الشاكلة التي نرى، أمراء مكائد، والمكائد حكايا أيضًا. قبل أن تكملوا القراءة، هل فكر أحدكم ما دخل الدببة الثلاثة بالسياق؟ لنكمل القص.

هكذا بني وعينا، من تغييب إلى تغييب، ومن تشويه إلى تشويه، من كل وادٍ عصا، ومن كل حكاية جملة، بسبب ثقافة «لا أريكم إلا ما أرى» العمياء، التي كبرنا عليها في البيت، والمدرسة، والجامعة، والمجتمع. عجزنا عن تمييز الأبيض من الأسود، فغلف الرمادي مواقفنا ومستقبلنا، وبلادنا.

وفي الثلث الرابع، صار مصيرنا حكاية ترويها القنوات للعبرة، ونحن نسير معها نخبط بعناوينها، ننتظر خبر الفارس الذي سيقتل التنين ويخلص الأميرة من سجنها. سكرنا بعدما شربنا كأس المر بصحة الوهم.

وما زال التنين حيًّا والأميرة سجينة، ونحن من ثقل السكرة نمنا ونحن نحلم، وإلى الآن لم نستيقظ، ولم ندرك أن الفارس لن يأتي هكذا. بالمناسبة، لا يوجد حسابيًا ثلث رابع، أليس كذلك؟ هل أدركتم لم صرنا بخبر كان؟