شهد المغرب تسارعا في موجة التطبيع، لم يشهدها من قبل، ولم تعد تقتصر على دخول المنتجات الإسرائيلية التي غزت الأسواق المغربية، وإنما تنظيم تظاهرات سياسية ورياضية في المغرب، يحضرها إسرائيليون، تحت قبة البرلمان المغربي.

تردد هذا السؤال بكثرة على وسائل التواصل الاجتماعي، منذ مسيرة يوم الأحد 13 مايو/ أيار الجاري، التي دعا إليها حزب العدالة والتنمية المغربي لنصرة القضية الفلسطينية في ذكرى نكبتها السبعين، وسجلت أقل حضور جماهيري، يشارك في مسيرة شعبية مؤيدة لفلسطين تشهدها العاصمة الرباط.
هناك من فرحوا لهذه “المقاطعة”، واعتبروها انتصارا لخطهم التطبيعي مع الكيان الصهيوني، لكن هؤلاء لا يشكلون إلا الاستثناء في المجتمع المغربي الذي أكد، في أكثر من مناسبة، وقوفه إلى جانب القضية الفلسطينية التي يعتبرها المغاربة “قضيتهم الوطنية” الثانية دائما بعد قضية الصحراء بالنسبة إليهم. وهناك من قرأ في “المقاطعة” نوعا من الانكفاء على الذات، في زمن الانكسارات والانقسامات والنكسات العربية المتتالية. وثمّة من وجد فيها وعيا جديدا أصبح يخترق فئة الشباب من الناشطين سياسيا مفاده بأن نصرة قضايا الشعوب الأخرى تبدأ من نصرة قضايا الشعب المغربي، على اعتبار أن الشعب الذي لا يستطيع أن ينتصر لقضاياه، وفي مقدمتها تقرير مصيره بنفسه، لا يُنتظر منه أن ينتصر لقضايا غيره. وأخيرا، هناك من فسّر المقاطعة بأنها تعبير عن مزاج عام نجده عند شعوبٍ كثيرة في المنطقة العربية يئست من كل شيء، وفقدت الأمل في كل شيء.
وفي المقابل، هناك من قرأ في مقاطعة مسيرة نصرة القضية الفلسطينية رسالة إلى من دعوا
“رفض لتسليم حزب العدالة والتنمية شرعيته الشعبية لطبقة متحكمة وليبرالية متوحشة”

 إلى المسيرة، وليس إلى موضوع المسيرة بحد ذاته. وينفي أصحاب هذا الرأي وجود “مقاطعة” لمسيرة التضامن مع فلسطين في الذكرى السبعين لنكبتها، وإنما هناك مقاطعة للحزب الذي دعا إليها، وهو بالمناسبة حزب العدالة والتنمية، الإسلامي الذي يقود الحكومة منذ 2011، وبالتالي فالمقاطعون للمسيرة لم يقاطعوا فلسطين وقضيتها وشعبها، وإنما قاطعوا حزبا سياسيا مغربيا اسمه “العدالة والتنمية”. لذلك، فمقاطعة أغلبية المغاربة مسيرة “العدالة والتنمية”، وليس مسيرة فلسطين، من أجل مزيد من التوضيح، تحمل أكثر من رسالةٍ إلى الحزب الذي اختار الاصطفاف خلف السلطة، وليس في صف الشعب، يمكن إيجاز أبرزها في النقاط التالية:
الرسالة الأولى، تعبير عن فقدان الثقة في حزبٍ راهن قادته على نيل ثقة السلطة، قبل ثقة الشعب التي خذلوها مرات. خذلوها عام 2011 عندما وقفوا ضد موجة “الربيع العربي” في المغرب ضد مطالب الشعب ومع “إصلاحات” السلطة الالتفافية. وخذلوها عندما قادوا الحكومة خمس سنوات، هي فترة الولاية الحكومية الأولى التي رأسها زعيم الحزب السابق المثير للجدل، عبد الله بنكيران، واتخذ خلالها عدة قرارات غير شعبية، أضرّت القدرة الشرائية للمواطنين، وحمت الفساد والمفسدين. وخذلوها مرة ثالثة عام 2016، عندما أعطتهم الانتخابات التي قاطعها أغلبية المغاربة صدارة الأحزاب المشاركة فيها. وفيما تمسّك زعيمهم بمقاربة خاصة به لتشكيل حكومته الثانية، خرج من صفوف قيادته من طعنه من الخلف، واستسلم للشروط التي كانت تفرضها السلطة على زعيمهم المعفي بقرار ملكي.
الرسالة الثانية، تعبير عن وعي شعبي متنام داخل المجتمع المغربي، يرفض استغلال قضايا نبيلة، وتوظيفها من أجل كسب سياسي رخيص. وهذا حال حزب العدالة والتنمية الذي يواجه موجة انتقادات شعبية حادة على مواقع التواصل الاجتماعي، بسبب الموقف الذي اتخذه وزراؤه، وفي مقدمتهم رئيسه الحالي سعد الدين العثماني، الذي يرأس في الوقت نفسه الحكومة، من حملة المقاطعة الشعبية الواسعة ضد منتجات استهلاكية، بسبب غلائها أو فقط بسبب استغلال أصحابها مواقعهم في السلطة لتنمية مشاريعهم وزيادة أرباحهم، بعيدا عن كل مراقبة أو محاسبة أو منافسة شريفة. فقد انتصب وزراء الحزب، مدافعين عن الشركات ومنتجاتها، وتحولوا إلى ناطقين رسميين باسم هذه الشركات، يروجون منتجاتها بدلا من الإنصات إلى نبض الشارع الذي خرجت من رحمه حملة المقاطعة.
الرسالة الثالثة، تعبير عن رفض ازدواجية الخطاب الذي يرقى، في حالاتٍ، إلى ما يمكن

“تعبير عن فقدان الثقة في حزبٍ راهن قادته على نيل ثقة السلطة، قبل ثقة الشعب التي خذلوها مرات”

 وصفه “النفاق” السياسي، إن لم يكن نفاقا أخلاقيا ودينيا، عندما يتعلق الأمر بقضية مقدسة مثل القضية الفلسطينية، وبأفعال صادرة عن حكومةٍ يفترض أن الحزب الذي يقودها “إسلامي”، فعندما كان حزب العدالة والتنمية في صفوف المعارضة كان من أشد المطالبين بتجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني. ومنذ توليه رئاسة الحكومة قبل سبع سنوات متواصلة شهد المغرب تسارعا في موجة التطبيع، لم يشهدها من قبل، ولم تعد تقتصر على دخول المنتجات الإسرائيلية التي غزت الأسواق المغربية، وإنما تنظيم تظاهرات سياسية ورياضية في المغرب، يحضرها إسرائيليون، تحت قبة البرلمان المغربي، وترفع فيها أعلام إسرائيلية وينشد فيها النشيد الوطني الصهيوني، كما حصل أخيرا في تظاهرة رياضية، شهدتها مدينة أغادير جنوب المغرب، والتي يوجد على رأسها بالمناسبة عمدة ينتمي إلى حزب رئيس الحكومة الإسلامي!
مقاطعة مسيرة التضامن مع الشعب الفلسطيني التي دعا إليها الحزب الذي يقود الحكومة هي جواب على عدم تفاعل هذا الحزب وحكومته، بل استخفافهما واستهزاؤهما وتهديدهما مناصري حملة المقاطعة التي تستهدف منطق الأوليغارشيا التي تتحكم في السلطة والاقتصاد في المغرب. وهي رد على تنكّر الحزب الذي تصدر آخر انتخابات شهدها المغرب عام 2016، للذين صوّتوا عليه، وعلى العدوانية التي واجهت بها الحكومة التي يقودها الحزب نفسه مطالب الشعب عندما خرج يتظاهر في أكثر من مدينة في المغرب، في الريف وجرادة وغيرهما، مطالبا بحياة كريمة وعدالة اجتماعية. وهي أيضا رفض لتسليم الحزب شرعيته الشعبية لطبقة متحكمة، وليبرالية متوحشة، وللمؤسسات النقدية الدولية لتمرير سياساتهم اللاشعبية والعدوانية التي تستهدف المواطن البسيط في قوته اليومي. وأخيرا، هي رد فعل شعبي واع على الإفلاس السياسي والأخلاقي لطبقةٍ سياسيةٍ تحترف النفاق، وتقتات على بؤس الناس ومآسيهم، وتستغل قضاياهم النبيلة للاستمرار في خداعهم.
أما قضية فلسطين فستبقى نبيلةً يؤمن بها كل الشرفاء في المغرب، وفي كل العالم، لأنها قضية ظلم تاريخي، وحقد ديني، وعنصرية عرقية، واحتلال منبوذ، واستبلاد للعقول لم يعد مقبولا.