كنت أفرُّ من المرور بجوار المبنى الضخم الذي تدخله باستمرار سيارات “أونروا” البيضاء، والتي رُسِم عليها شعار أزرق، وأصبح هذا المكان، بالنسبة لي، حقدا صغيرا لم أخبر به أحداً، وربما لو علم به أحد لصنّفه تحت مسمَّى جديد للعقد النفسية.

قبل عدَّة سنوات، تابعت مسلسلا تركيا مدبلجاً للعربية، وكان اسمه “لا مكان… لا وطن”، وقد بقيت أتابع حلقاته الخمس والثلاثين، ولم أكتشف سرَّ هذا الاسم، حتى المشهد الأخير منه، حين اعترف الزوج والأب لزوجته ورفيقه دربه، والتي عاشت معه أصعب الظروف، بعد أن حملت ابنتهما سفاحاً، وحاولا إنقاذها من بطش العادات والتقاليد في القرية التركية، فقد اعترف لها أنها ملاذه ووطنه، وأنَّ قلبها هو مكانه. علق هذا العنوان في ذاكرتي، وأصبحتُ أردِّده بيني وبين نفسي، كلما شعرت بإحساس الاغتراب والوحشة والضياع، وكل المشاعر التي من الممكن أن تشعر بها امرأة لاجئة، بعيداً عن مسقط رأسها، حتى لو عاشت كلَّ عمرها في رقعةٍ ما من الوطن، لكن أشياء كبيرة زُرِعت داخلها، أدَّت إلى أن تنبت نبتة كبيرة في أعماقها اسمها “لاجئة”.
حديث مكرَّر، واعترافات ليست جديدة، ولا سرِّية، أنني كرهت كوني لاجئة. لم أتوجه يوماً للاستفادة من الخدمات التي تقدِّمها مراكز وكالة الغوث لتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، ولكني في هذا المقام سأتكلم عن حادثتين وقعتا في مكان ما، حيث يقبع ذلك المبنى الضخم الذي ترفرف عليه أعلام زرقاء، لا تبعث في نفسي سوى شعور المرارة، كلما مررتُ بجوار المبنى، راجلةً أو راكبة. وباعتراف صغير لم أذكره، أنني كنت أفرُّ من المرور بجوار هذا المبنى الضخم الذي تدخله باستمرار سيارات “أونروا” البيضاء، والتي رُسِم عليها شعار أزرق، وأصبح هذا المكان، بالنسبة لي، حقدا صغيرا لم أخبر به أحداً، وربما لو علم به أحد لصنّفه تحت مسمَّى جديد للعقد النفسية، وربما اقترح طبيب شهير أن يطلق عليه اسم “فوبيا المرور من أمام مراكز أونروا”.
الحادثة الأولى، حيث كانت تدلف من بوابة المركز سيارة ضخمة، مغلقة الأبواب بإحكام، وقد التفَّ اللاجئون القاطنون في المخيم حول البوابة؛ علَّهم يكتشفون حمولة تلك السيارة التي نادراً ما تصل إلى المبنى، ودفعهم الحرَّاس بقسوة، فابتعدوا، بعد أن وضع كلُّ واحد في مخيَّلته تصوُّراً لما تحمله تلك الشاحنة، حتى بدأوا يسمعون صوت هرجٍ ومرجٍ وتصفيق، وتسلَّل خبر صغير من عامل نظافة أنَّ حفلا يقام في الداخل لوداع أحد كبار الموظفين، بعد أن وصل إلى سنَّ التقاعد، وأنَّ المأكولات والمشروبات فاضت وزادت، وعامل النظافة خرج ليُلقي بعضَها في الحاوية الضخمة، فيما حملت ملامحُه تعبيراتٍ كثيرة، أوجعتْ قلوبَ سكَّان المخيم الفقراء الذين لم يظفروا بشيء ممَّا سمعوا عنه، وتخيَّلوه، ولاقوا الزجر والإهانة، حين حاولوا المشاهدة من بعيد، فحُلْم مشاهدة حياة الأثرياء مجانيٌّ، في كل أرض، وتحت كل رقعة من السماء. (!)
المشهد الثاني، أو الحادثة الثانية، كانت بعد الأولى بأيام، وحيث كان الوقت مساء، أيْ أنه ليس وقت دوام الموظفين في المبنى الضخم، وقد اشتمَّ السكُّانُ رائحة حريق، وأسرعوا إلى المبنى الضخم؛ فرأوا ألسنة النار تندلع من بين الأسوار والنوافذ المعدنية المغلقة، ومرَّ الوقت بطيئاً، فيما كان اللاجئون يلتفُّون حول أسوار المبنى، ويكتظُّون أمام بوَّابته الحديدية الضخمة، والتي فتحت بعد حين، ووصلت سيارة المطافئ، وبدأت حركة واسعة للسيطرة على الحريق الذي تبيَّن أنَّ سببَه تماسٌّ كهربائي.
الغريب أنَّ هؤلاء اللاجئين شعروا بسعادة غامرة، وهم يرون المشهد، فالنيران التي اشتعلت طغت على النيران التي حرقت ضلوعهم، قبل أيام، وكانت الفرصة سانحةً ليدخلوا من البوَّابة الضخمة، ويتجوَّلوا في الغرف، وتبادل بعضُهم الجلوس فوق الكراسي العملاقة، وحمل بعضهم أجهزة حاسوبٍ نقَّالة بين يديه، وفرَّ هاربا بها، فيما سرق الصغار أوراقا بيضاء كثيرة.
في الصباح، كان عامل النظافة بوجهٍ بلا تعبيرات، يُلقي القمامة المتخلفة عن الحريق في الحاوية القريبة من البوَّابة الضخمة. وكانت هناك طائرات ورقية سهر صغار الفقراء على تلوينها، طول الليل، تحلِّق في السماء، وتحوم فوق المبنى، وهي ترقص جذلاً، وتلتقي مع بعضها في تصفيقٍ حاد.