كيف ألح في الدعاء؟ كيف أزداد ذلا وصغارا لله تعالى؟ هل الإلحاح، يعني كثرة الدعاء؟

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد: 

فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن الله تعالى يحب الملحين في الدعاء. والحديث وإن كان سنده غير ثابت، لكن معناه صحيح.

ويدل له ما في الصحيح من قوله صلى الله عليه وسلم: يستجاب لأحدكم ما لم يعجل.

ومعنى الإلحاح في الدعاء هو لزومه، وتكراره ومداومته، وعدم اليأس من الإجابة؛ وإن أبطأ حصول المطلوب.

قال المناوي رحمه الله: (إن الله تعالى يحب الملحين في الدعاء) أي الملازمين له، جمع ملح وهو الملازم لسؤال ربه في جميع حالاته، اللائذ بباب كرم ربه في فاقته ومهماته، لا تقطعه المحن عن الرجوع إليه، ولا النعم عن الإقبال عليه؛ لأن دعاء الملح دائم غير منقطع، فهو يسأل ولا يرى إجابة، ثم يسأل، ثم يسأل، فلا يرى وهكذا. فلا يزال يلح، ولا يزال رجاؤه يتزايد، وذلك دلالة على صحة قلبه، وصدق عبوديته، واستقامة وجهته. فقلب الملح معلق دائما بمشيئته، واستعماله اللسان في الدعاء عبادة، وانتظار مشيئته للقضاء به عبادة، فهو بين عبادتين سريتين، ووجهتين فاضلتين؛ فلذلك أحبه الله تعالى. انتهى.

 وطريق تحصيل ذلك بدوام المجاهدة، واستحضار أن الخير كله بيد الله تعالى.

وأما الذل والصغار عند الدعاء، فهو مما يحبه الله تعالى، فبقدر ذل العبد لربه وانكساره بين يديه، يكون جبره، وحصول مأموله، وطريق ذلك أن يستحضر جلال الرب تعالى وعظمته، وقدرته على كل شيء، وأن أزمة الأمور كلها بيديه، ومرجعها إليه سبحانه، وأنه لا تخفى عليه خافية من أمر عباده وأنه يعلم السر وأخفى، وأنه بكل شيء محيط، وبكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، ونحو ذلك من صفات جلاله وجماله سبحانه، التي مهما تفكر العبد فيها، أكسبه ذلك ذلا له، وانكسارا بين يديه.

والله أعلم.