أرجو منكم قراءة رسالتي بدقة، فأظن أنني اجتهدت اجتهادا يقول بغير قولكم وقول الجمهور في نذر الواجب. أولا: كنت أقرأ قول الإمام ابن تيمية حين قال: "إن ما وجب بالشرع إن نذره العبد، أو عاهد الله عليه، أو بايع عليه الرسول، أو الإمام، أو تحالف عليه جماعة، فإن هذه العهود والمواثيق تقتضي له وجوبًا ثانيًا غير الوجوب الثابت بمجرد الأمر الأول، فتكون واجبة من وجهين، بحيث يستحق تاركها من العقوبة ما يستحقه ناقض العهد والميثاق، وما يستحقه عاصي الله ورسوله، هذا هو التحقيق، وهو رواية عن أحمد، وقاله طائفة من العلماء". ثم استدل – رحمه الله - على ذلك بآيات كثيرة، منها قوله تعالى: (الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ) .... حين كنت أقرأها كنت لا أعيها تماما لكن الذي اجتهدت فيه واستنبطته هو أولا: المسلم حين يأمره أولي الأمر أي الحاكم بأمر هو واجب عليه أصلا، فيصير هذا الأمر مثل صلاة الجماعة واجبة من وجهين (بأمر الله تعالى ثم بأمر الحاكم). ثانيا: إن الله تعالى حين أخذ العهد في الذر أوجب علينا عبادته وطاعته، ثم حين أخذ على بني اسرائيل الميثاق (يعني العهد المؤكد بيمين) على طاعته أيضا فالله عزوجل هنا أوجب عليهم طاعته بواجبين العهد أولا ثم الميثاق. فلماذا يقول الجمهور نذر ماهو واجب لا ينعقد لاستحالة وجوب الواجب. لماذا هنا لايصبح الواجب واجبا من وجهين؛ وجه الشرع، ثم وجه النذر. وأنا أعلم أنكم تتحرون الدقة في فتاواكم من حيث رأي الجمهور والرأي المخالف. فهل غفلتم عن هذا؟ مع أنني واقع في ضيق لأنني نذرت ماهو واجب، ولا سبيل لي في التحرر من هذا الضيق إلا بمعرفة إن كان مذهب الجمهور هذا صحيحا أم لا؟

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد: 

فهون عليك أيها الأخ الكريم، فالأمر لا يستوجب منك ضيقا ولا غيره، فهذه المسألة كغيرها من مسائل الخلاف، فمن كان أهلا للترجيح، فإنه يرجح ما يراه موافقا للدليل، ومن لم يكن كذلك بل كان عاميا، فإنه يقلد من يثق بقوله من أهل العلم، فلا حرج عليك البتة إن قلدت الجمهور القائلين بعدم انعقاد نذر الواجب، وانظر الفتوى رقم: 169801.

وزيادة للفائدة ننقل لك بعض كلام أهل العلم في نذر الواجب، قال ابن قدامة رحمه الله: [الْقَسَم السَّادِس نَذْرُ الْوَاجِبِ]، كَالصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ. وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ الْتِزَامٌ، وَلَا يَصِحُّ الْتِزَامُ مَا هُوَ لَازِمٌ. لَهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَنْعَقِدَ نَذْرُهُ مُوجِبًا كَفَّارَةَ يَمِينِ إنْ تَرَكَهُ، كَمَا لَوْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِهِ؛ فَإِنَّ النَّذْرَ كَالْيَمِينِ، وَقَدْ سَمَّاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمِينًا. انتهى

وفي الموسوعة الفقهية: وقد ذهب الحنفية والمالكية والشافعية إلى أنه يشترط في القربة المنذورة أن لا تكون واجبة على الإنسان ابتداء، كالصلاة المفروضة وصوم رمضان؛ لأن النذر التزام، ولا يصح التزام ما هو لازم له. انتهى

فعرفت بذلك أن عدم انعقاد نذر الواجب هو معتمد المذاهب الأربعة، وانعقاده رواية عند الحنابلة قواها الموفق، واختارها شيخ الإسلام ابن تيمية، والأمر كما رأيت واسع، فمن كفر كفارة يمين لإخلاله بالنذر الواجب احتياطا فهو محسن، ومن عمل بمذهب الجمهور فلا تثريب عليه إن شاء الله، ومذهب الجمهور هو الذي نختاره في موقعنا.

والله أعلم.