أصبت بمرض ليس له علاج، نتيجة خطأ طبي من طبيب قام بتشخيص خاطئ، الآن يا شيخ أنا شاب وحياتي قد دُمرت تماما، لا أنام من كثرة الألم برأسي، وطول اليوم والليل لا يفارقني الصداع معظم الأوقات، بعد مراجعة كثير من الأطباء قالوا لا يوجد حل. لا أستطيع أن أنام أو أفعل شيئا، حتى المسكنات أثرت على الكلى، وطلب الطبيب المعالج أن أوقفها، وأن أتحمل الألم. سؤال يا شيخ: 1- قل لي ما يثبتني، مع العلم أنني أصبحت غير ملتزم مثل ما كنت، شدة الألم لا يتحمله أحد، قل لي ما يصبرني؛ لأنني أفكر جديا بالانتحار، وحاولت أكثر من مرة. 2- حتى أنام، أضطر كثيرا إلى القيام بالعادة السرية حتى يرتاح جسمي وأنام، وعندما سألت الطبيب قال لي إنها تريح الجسم وترخيه. فهل هذا حرام أم حلال؛ لأني لا أستطيع أن أنام بدونها، في معظم الأوقات؟

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

 فنسأل الله أن يعافيك، وأن يعوضك خيرا عما ألم بك، وأن يفرغ على قلبك الرضا والسكينة.

واعلم أن كل ما يصيب العبد هو بتقدير الله جل وعلا وقضائه سبحانه، والله سبحانه أرحم بالعبد من نفسه، وكل ما يقضيه الله لعبده المؤمن فهو خير له؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء، صبر فكان خيرا له. أخرجه مسلم.

والعبد قد تكون له منزلة عظيمة عند الله لا يبلغها إلا بالمصائب التي تنزل بساحته، جاء في الحديث: إن العبد إذا سبقت له من الله منزلة، لم يبلغها بعمله، ابتلاه الله في جسده، أو في ماله، أو في ولده، ثم صبره على ذلك حتى يبلغه المنزلة التي سبقت له من الله تعالى. أخرجه أبو داود وصححه الألباني.

بل إن المصائب والمضائق قد تكون أمارة على إرادة الله الخير بالعبد، كما في الحديث الذي أخرجه البخاري: من يرد الله به خيرا، يصب منه.
والجزع لن يرفع المصاب عنك، بل سيحرمك أجر الصبر، وهذه المصيبة العظمى.
والله عز وجل عند ظن عبده به؛ كما صح في الحديث القدسي، فأحسن الظن بالله تحسن عاقبتك، ولن يخيب الله عبدا رجاه صادقا في رجائه، فاحذر القنوط من رحمة الله، واليأس من روحه، فإنهما من كبائر المحرمات، قال سبحانه: قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ {الحجر:56}، وقال تعالى: إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ {يوسف:87}.
والحزن من أمراض القلوب، فجاهد نفسك في التخلص منه.

وننقل هاهنا كلاما نفيسا لابن القيم في التنفير من الحزن، يقول فيه: اعلم أن الحزن من عوارض الطريق، ليس من مقامات الإيمان، ولا من منازل السائرين، ولهذا لم يأْمر الله به في موضع قط، ولا أَثنى عليه، ولا رتب عليه جزاء ولا ثواباً، بل نهى عنه في غير موضع؛ كقوله تعالى: وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ {آل عمران: 139}، وقال تعالى: وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضِيقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ {النحل: 127}، وقال تعالى: فَلا تأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ {المائدة: 26}، وقال: إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعنَا {التوبة: 40}.

 فالحزن هو بلية من البلايا التي نسأَل الله دفعها وكشفها، ولهذا يقول أهل الجنة: الْحَمْدُ للهِ الَّذِى أَذْهَبَ عَنَّا الْحزَن {فاطر: 34}، فحمده على أن أذهب عنهم تلك البلية ونجاهم منها، وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في دعائه: اللَّهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وضلع الدين وغلبة الرجال. فاستعاذ صلى الله عليه وسلم من ثمانية أشياء، كل شيئين منها قرينان: فالهم والحزن قرينان، وهما الألم الوارد على القلب، فإن كان على ما مضى فهو الحزن، وإن كان على ما يستقبل فهو الهم، والمقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الحزن مما يستعاذ منه، وذلك لأن الحزن يضعف القلب، ويوهن العزم ويضر الإرادة، ولا شيء أحب إلى الشيطان من حزن المؤمن، قال تعالى: إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا {المجادلة: 10}.

فالحزن مرض من أمراض القلب يمنعه من نهوضه، وسيره وتشميره، وقال بعض العارفين: ليست الخاصة من الحزن في شيء ـ وقوله رحمه الله: معرفة الله جلا نورها كل ظلمة، وكشف سرورها كل غمة ـ كلام في غاية الحسن، فإن من عرف الله أحبه ولا بد، ومن أحبه انقشعت عنه سحائب الظلمات، وانكشفت عن قلبه الهموم والغموم والأحزان، وعمر قلبه بالسرور والأفراح، وأقبلت إليه وفود التهاني والبشائر من كل جانب، فإنه لا حزن مع الله أبداً، ولهذا قال تعالى حكاية عن نبيه صلى الله عليه وسلم أنه قال لصاحبه أبي بكر: لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا {التوبة: 40}، فدل أنه لا حزن مع الله، وأن من كان الله معه فما له وللحزن؟ وإنما الحزن كل الحزن لمن فاته الله، فمن حصل الله له، فعلى أي شيء يحزن؟ ومن فاته الله فبأَي شيء يفرح؟ قال تعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا {يونس: 58}، فالفرح بفضله ورحمته تبع للفرح به سبحانه، فالمؤمن يفرح بربه أعظم من فرح كل أحد بما يفرح به: من حبيب، أو حياة، أو مال، أو نعمة، أو ملك، يفرح المؤمن بربه أعظم من هذا كله، ولا ينال القلب حقيقة الحياة حتى يجد طعم هذه الفرحة والبهجة، فيظهر سرورها في قلبه ونضرتها في وجهه، فيصير له حال من حال أهل الجنة، حيث لقّاهم الله نضرة وسروراً. اهـ. من طريق الهجرتين.

وأما الانتحار فهو أعظم الوبال، وهو خسارة الدنيا والآخرة، فلا تحدثن به نفسك أبدا.

ونوصيك بتدبر كتاب الله والإكثار من استماع آياته، وتأمل مواعظه.

ولا ريب في أن المصاب جلل، وأن الصبر والرضا بقضاء الرب ليس أمر سهلا، بل هو أمر عظيم يحتاج إلى مجاهدة للنفس، وقبل ذلك استعانة بالله جل وعلا، واستجلاب للصبر من لدنه سبحانه، كما حكى الله عن أوليائه: وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ {البقرة:250}، وقال: وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ {الأعراف:126}.

وانظر بعض الوسائل المعينة على تحقيق الصبر، في الفتوى رقم: 203794.

 وها أنت قد جربت الجزع والسخط، وأبصرت شوم عاقبته من الضيق والضنك وعذاب الروح، فهلا سلكت طريق أهل الرضا لترى ما ينال روحك ساعتها من السكينة والطمأنينة والانشراح، مما يحيل مصيبتك إلى نعمة وعطية، فإنك تجد الراضين بقضاء الله يتقلبون في بلايا عظيمة جسيمة، وهم مع ذلك أشرح الناس صدورا، وأعظمهم طمأنينة.

ولك في قصة نبي الله أيوب عليه السلام وما أصابه من البلاء عبرة وعظة، فراجعها في كتب التفاسير، وقصص الأنبياء، ولتنظر كذلك في كتب أهل العلم عن الصبر والرضا، ومن أمثلها ما كتبه ابن القيم: عدة الصابرين، وكلامه عن الرضا والصبر في مدارج السالكين، وطريق الهجرين، وكتابي الرضا عن الله بقضائه والصبر لابن أبي الدنيا، فستجد فيها من النصوص الشرعية وكلام العلماء وقصص الصابرين الراضين ما يسليك في مصيبتك، ويعينك على بلوغ منازل الصبر والرضا -بإذن الله-.

وأما الثاني: فإن الاستمناء محرم عند جماهير العلماء، فيأثم المرء بتعمد الاستمناء -بلا عذر شرعي-.

وطلب سكينة الروح وزوال الغم بالمحرم، لا يزيد المرء إلا وبالا، فإن الله لم يجعل معصيته سببا إلى خير قط -كما قال ابن القيم-، فننصحك بالإعراض عن هذا الأمر، ولن تجد علاجا يخمد ضرام الشهوة أمثل مما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: يا معشر الشباب؛ من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء. أخرجه البخاري ومسلم.

فلتسع في نكاح من ترضى بك، ولو كانت كبيرة في السن، أو نحو ذلك. وراجع الفتوى رقم: 209122.

والله أعلم.