ما حكم التقدم لوظيفة مدير شركة أو مدير مشروع أو رئيس قسم، أو مدير مكتب (سكرتير)، لشركة عامة تابعة للدولة أو شركة خاصة، هل يكون هذا من سؤال وإرادة الإمارة المنهي عنه شرعا؟

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد: 

 فإن سؤال الإمارة وطلب الولاية ليس مذموما ولا منهيا عنه بكل حال، بل من علم من نفسه القوة والأمانة، وكان أهلا لتحمل تلك الولاية لم يمتنع طلبه لها، كما قال يوسف عليه السلام للملك: قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ {يوسف:55}

قال القاسمي رحمه الله: وهذه الآية أصل في طلب الولاية كالقضاء ونحوه، لمن وثق من نفسه بالقيام بحقوقه، وجواز التولية عن الكافر والظالم. وأصل في جواز مدح الإنسان نفسه لمصلحته، وفي أن المتولي أمرا، شرطه أن يكون عالما به، خبيرا، ذكي الفطنة- كذا في (الإكليل). انتهى

وفي السنن أن عثمان بن أبي العاص قال للنبي صلى الله عليه وسلم: اجعلني إمام قومي، قال: أنت إمامهم واقتد بأضعفهم. قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: هذا الحديث فيه فوائد منها: جواز طلب الإمامة, وجه ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم أقر عثمان بن أبي العاص ووافقه على طلبه, وهذا أقوى ما يكون من إثبات هذا الحكم. ولكن لو قال قائل: أليس النبي صلى الله عليه وسلم حين سأله رجل إمارة قال: «إنا لا نولي هذا الأمر أحدًا طلبه». وقال لعبد الرحمن بن سمرة: «لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها, وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها». قلنا: بلى, ولكن يحمل هذا الحديث إما على التفريق بين طلب الإمارة والإمامة؛ لأن الإمامة وظيفة دينية محضة, والإمارة, فيها سلطة, فيها نوع من استعلاء وما أشبه ذلك, وإما أن يقال: أنه إذا طلبها من يطلبها وهو أحق الناس بها, فإن طلبه هذا يكون بمنزلة التنبيه لولي الأمر, ليس طلبًا محضًا, وأن الإنسان إذا رأى من نفسه أنه أحق الناس وأوفى الناس بهذه الوظيفة فله طلبها, وهذا الوجه أحسن, وربما نقول: إن الوجهين صحيحان لكن هذا أقرب إلى الصواب, ويؤيده أن نبي الله يوسف - عليه الصلاة والسلام - قال: {اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم} [يوسف: 55]. لأنه رأى أن بيت المال قد ضاع, وأنه ذو حفظ وعلم فطلبه لعدم وجود من يقوم مقامه. انتهى

وبه تعلم أن دخول الوظائف المذكورة في النهي المذكور محل نظر، فإنه في الإمارة، وفيها من الاستعلاء والتسلط على الناس ما ليس في تلك الوظائف، وعلى تقدير شمولها لها، فإن من علم من نفسه الأهلية والقدرة على القيام بأعباء تلك الوظيفة لم يمتنع عليه التقدم لها؛ لما بينا من الأدلة.

والله أعلم.