في حديث: لا يقعد قوم يذكرون الله، إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده. هل يشترط أن نكون مجموعة حتى تتنزل الملائكة، لأني أجلس منفردا، وأقوم بسماع، وقراءة تفسير القرآن وذكره، بعيدا عن الناس؛ حتى أستحضر التركيز، وأستثمر الوقت بصورة أفضل. وسبب آخر أني أسمعه من العلماء الثقات، ولا أجد من أثق في تفسيره في بلدتي. وأسأل: هل سماع القرآن من الجوال أو غيره، يكون سببا في نزول الملائكة أيضا، أم يجب قراءته بصوت آدمي؟

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

 فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده.

وأخرج مسلم أيضا عن الأغر أبي مسلم، أنه قال: أشهد على أبي هريرة وأبي سعيد الخدري أنهما شهدا على النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا يقعد قوم يذكرون الله عز وجل، إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده.

وظاهر الحديثين أن هذا الثواب المعين بمجموعه، خاص بالاجتماع على ذكر الله -كتلاوة كتاب الله وتدارسه-، فلا يشمل المنفرد بذلك وحده -وإن كان له ثواب وفضل-.

قال الأمير الصنعاني في التنوير شرح الجامع الصغير: وفيه فضيلة الاجتماع في بيوت الله لتلاوة كتابه، وأنه أفضل من تلاوة الإنسان وحده. انتهى. 

 كما لا يشمل هذا الفضل بخصوصه، من يستمع إلى الدروس والمواعظ وحده، عبر التسجيل.

فقد سئل ابن عثيمين: هل سماع الخطب والمحاضرات والندوات، ومجالس الذكر من المذياع، يحصل به الأجر كما قال صلى الله عليه وسلم: (ما اجتمع قومٌ في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم... إلى آخر الحديث) وذلك خاصة للنساء؟

فأجاب: لا شك أن الإنسان يؤجر على سماع القرآن من المسجل، أو من الإذاعة، ويؤجر كذلك على سماع المواعظ والمحاضرات والندوات المفيدة من الإذاعة، أو من المسجل.

وأقول: إن من نعمة الله عز وجل على عباده وجود هذه الآلات الحافظة، التي تحفظ ما يقول الناس، وتبلغ القريب والبعيد، هي من نعمة الله عز وجل، لكن أن يكون ذلك مثل أجر الحاضرين الذين يتدارسون القرآن فلا، ولهذا لو جعلنا مسجلاً عند مكبر الصوت ليؤذن بدل الرجل الذي يؤذن، فإن ذلك لا ينفع؛ لأن هذا حكاية أذان وليس أذاناً. اهـ. من اللقاء الشهري.

وأما سؤالك: ( وأسأل: هل سماع القرآن من الجوال أو غيره، يكون سببا في نزول الملائكة أيضا، أم يجب قراءته بصوت آدمي؟).

فإن الصوت المسجل لتلاوة القرآن الكريم، إنما هو حكاية، وليست قراءة حقيقة، فلا تشملها الفضائل الخاصة الواردة في تلاوة القرآن الكريم حقيقة، وإن كان في سماعها من الجهاز خير وبركة، لكنه ليس هو الذي ورد فيه النص، كما سبق في الفتوى رقم: 239566.

وقد سئل ابن عثيمين: هناك حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، أن الإنسان لو قرأ سورة البقرة لا يدخل الشيطان بيته، لكن لو كانت السورة مسجلة على شريط. هل يحصل نفس الأمر؟

فأجاب: لا. صوت الشريط ليس بشيء، لا يفيد؛ لأنه لا يقال: قرأ القرآن، يقال: استمع إلى صوت قارئ سابق، ولهذا لو سجلنا أذان مؤذن، فإذا جاء الوقت جعلناه في الميكروفون وتركناه يؤذن، هل يجزئ؟ لا يجزئ، ولو سجلنا خطبة خطيب مثيرة، فلما جاء يوم الجمعة وضعنا هذا المسجل وفيه الشريط أمام الميكروفون، فقال المسجل: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ثم أذن المؤذن، ثم قام فخطب. هل تجزئ؟ لا تجزئ، لماذا؟ لأن هذا تسجيل صوت ماض، كما لو أنك كتبته في ورقة، لو كتبت ورقة، أو وضعت مصحفاً في البيت. هل يجزئ عن القراءة؟ لا يجزئ.اهـ.

وقال: إذا سجل الإنسان في الشريط، فقد انتهى من أول مرة, وانقطع أجره وثوابه, اللهم إلا أن ينتفع أحد بالاستماع إلى صوته عبر الشريط، فيؤجر على هذا الانتفاع ...

فالحاصل أن الاستماع إلى القراءة من الشريط، ليست كالاستماع من القارئ المباشر. اهـ. من لقاء الباب المفتوح.

وقال: الاستماع إلى القراءة المسجلة، لا شك أنه استماعٌ إلى صوتٍ محكي، ومثبت على هذا الشريط، وهو أمرٌ لا يعارض الآية الكريمة: (وإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا) فالاستماع إليه لا بأس به، بل قد يكون مستحباً إذا كان الإنسان لا يحسن القراءة بنفسه، ويحب أن يستمع إلى القرآن من المسجل، فيكون مأموراً به. فالصواب معك في أنه لا بأس بالاستماع إلى القراءة من المسجل؛ لأن هذه من الوسائل التي أنعم الله بها علينا الآن حيث نحفظ كتاب الله بكتابته بالأحرف، وبتسجيله بالصوت. ولكن ليعلم أن ما يقال في التسجيل ليس كما يقوله الشخص بنفسه، لا سيما إذا كانت العبادة مقصودةً من الفاعل، أقول هذا لئلا يظن ظانٌ أننا لو ركبنا مسجلاً على مكبر الصوت في المنارة عند الأذان، وسمع منه الأذان من هذا المسجل، فإن هذا لا يجزئ عن الأذان من الإنسان نفسه؛ لأن الأذان عبادة يجب أن يفعله الفاعل بنفسه، بخلاف الشيء المسجل فإنه حكاية صوت الفاعل، أو القارئ، أو المسجل، فليس هو فعله. اهـ. من فتاوى نور على الدرب.
والله أعلم.