قال لي أحد الأشخاص إن حديث حد الردة ضعيف، وليس صحيحا، حتى إنه لم يذكر في القرآن، ولم يطبقه الصحابة إلا على المرتد الذي يسبب أذى للمسلمين، أما من ارتد وذهب في حاله، فلا يطبق عليه؛ لقوله تعالى: (ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر) لماذا لم يقل الله: ومن يرتدد منكم عن دينه فيقتل وهو كافر؟ أو: ومن يرتدد منكم عن دينه ويطبق عليه حد الردة؟ قال المولى عز وجل: ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر ... يعني أن المرتد سيعيش حتى يموت، وسيحاسبه الله ويعاقبه هو ولسنا نحن، ونحن نعلم أن الموت ليس هو القتل. الآية الثانية هي: (إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا). يعني يؤمن ثم يكفر، يعني ارتد نقتله بحد الردة؟ ثم آمن بالله ثم كفر مرة ثانية، نقتله؟ ثم ازداد كفرا. يعني صار مثل فرعون زمانه هل نقتله؟ لا. لا توجد آية واحدة في القرآن، تنص على قتل المرتد، أو على ابتزازهم وإكراههم للإسلام؛ لأن الإسلام أصلا دين يسر، وليس دين عسر، ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليرتد، ومن شاء فليشرك، لن يضر الله شيئا. نحن الفقراء إلى الله، وليس العكس، الله ليس بحاجة لأن يسلم كل من في الأرض. أفنحن نكره الناس على أن يكونوا مؤمنين؟

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فهذا الكلام فيه من التناقض والفساد ما لا يخفى!

أما تناقضه ففي قول صاحبه: (لم يطبقه الصحابة إلا على المرتد الذي يسبب أذى للمسلمين). وهذا يتناقض مع إنكار حد الردة بالكلية، ونفي ثبوته وتضعيف أدلته رأسا! وإلا فمن أين أتى هؤلاء الصحابة بهذا الحد من الأساس؟! وكيف أثبتوا أصله، مع دلالة القرآن على نفيه، على حد فهم صاحب هذا الكلام؟!
 وأما فساده ففي مواضع كثيرة، منها: فساد دعوى نفي هذا الحد، لعدم ذكره في القرآن! فمن المعلوم أن أحكام الشريعة لا يقتصر إثباتها على القرآن، بل تثبت أيضا بالسنة المحفوظة، ثم بالإجماع والقياس الصحيح. وهناك أدلة أخرى للأحكام مختلف فيها بين أهل العلم، وليس هذا موضع تفصيلها.

والمقصود أن حد الردة إن ثبت بالسنة، فلا يضر عدم ذكره في القرآن، وقد سبق لنا التفصيل في هذا المعنى، والإنكار على من يقتصر على القرآن في إثبات الأحكام الشرعية، وراجع في ذلك الفتاوى التالية أرقامها: 4588، 64754، 319348، 319348، 315136.

وراجع في بيان الأدلة الشرعية على حد الردة، الفتويين: 13987، 73924.
هذا .. مع أن بعض أهل العلم يستدل ببعض الآيات العامة على إثبات عقوبة المرتد، كقوله تعالى: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا .. [المائدة: 33] باعتبار أن الردة نوع من الإفساد في الأرض.
وكذلك قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ. يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ [التوبة: 73، 74].

وعذاب الدنيا يكون بعقوبة القتل، كما يشير إليه قوله سبحانه: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا. مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا [الأحزاب: 60، 61].

وسواء سُلِّم هذا الاستدلال أم لم يسلَّم، فحسبنا ثبوت الأدلة الصحيحة الصريحة على حد الردة في السنة النبوية المشرفة، على صاحبها الصلاة والسلام.
ومن الفساد الظاهر في كلام هذا الشخص: الاستدلال بآيات من القرآن على نفي حد الردة! فليس في الآيات المذكورة، ولا في غيرها ما ينفى أو يتعارض مع ثبوت حد الردة.

قال الشيخ الدكتور عبد العظيم المطعني في كتابه: (عقوبة الارتداد عن الدين بين الأدلة الشرعية، وشبهات المنكرين): وقع منكرو حد الردة في أخطاء عديدة، وهم يستدلون على إنكاره بآيات من القرآن الكريم، ويمكن تصنيف أخطائهم في هذا المجال فيما يأتي:

الأول: خطأ عام، شمل استدلالهم بكل ما ذكروه من آيات حكيمة.
الثاني: خطأ يتعلق باستدلالهم ببعض الآيات دون بعضها الآخر.
الخطأ العام: من الحقائق المسلمة أن حد الردة، وهو القتل، لم يرد صراحة في الآيات التي تحدثت عن الردة، حيث قَصَرَت تلك الآيات عقوبة المرتد على العذاب الأخروي، ومنكرو حد الردة اتخذوا من خلو القرآن من عقوبة دنيوية محددة، دليلاً على إنكار حد الردة الذي ورد في السنة الصحيحة قولاً وعملاً، وفي سنة الراشدين، ووقع الاتفاق عليه بين الفقهاء، وهذا انزلاق خطر، وقصور شنيع في الفهم والاستدلال؛ لأنه يقوم على إهدار دور السنة في التشريع، وهي بإجماع الأصوليين والفقهاء وجميع فرق الأمة، المصدر الثاني في التشريع الإسلامي، وسنبين هذا في إيجاز ووضوح بعد قليل.

أما الخطأ الخاص باستدلالهم بآيات دون أخرى، فكان سببه الوقوف عند ظاهر تلك الآيات، دون البحث عن المراد منها. وها نحن نذكر الآيات التي استدلوا بها، ونكشف وجوه الخطأ في ذلك الاستدلال:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ....} (المائدة 54).
{وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (البقرة 217).
هاتان الآيتان عن جريمة الردة، وتوعد الله في أولاهما المرتدين بقطع دابرهم والإتيان بقوم آخرين يحبهم ويحبونه.

وفي الثانية توعدهم بحبوط أعمالهم العاجلة والآجلة، وتخليدهم في النار يوم يقوم الحساب. وقد خلت الآيتان من النص على عقوبة دنيوية محددة، وهذا أغرى منكري حد الردة، وزعموا أنه حد مزعوم، ورموا جميع فقهاء الأمة القائلين بأن عقوبة المرتد هي القتل، رموهم بالادعاء الكاذب؟! وورطوا أنفسهم في منكر من القول وزور، جارين وراء أهواء رخيصة وعواطف هوجاء، وقصور في النظر والاستدلال. ثم استدلوا - كذلك - بالآيات الأتية:
{كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ....} آل عمران: (86).

{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا} النساء (137).

{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ} آل عمران: (90).
{وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} آل عمران: (72).
وجه استدلالهم:
استدل منكرو حد الردة بالآيات الثلاث الأولى مما ذكرناه آنفاً، على أن هذه الآيات تتحدث عن ردة ظاهرة، وفي بعضها ورد الحديث عن الردة مرتين لقوم مخصوصين: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ... }، وفهموا من هذا أن المرتد لو كانت عقوبته القتل لما بقى حياً حتى يرتد مرة أخرى؟ وأنه لم يرد أن النبي صلى الله عليه وسلم عاقب هؤلاء المرتدين بالقتل. فكيف يقال إن عقوبة المرتد هي القتل؟

خطأ هذا الاستدلال: إن منكري حد الردة جانبهم الصواب في استدلالهم بهذه الآيات، وإليك البيان. اهـ.
ثم فصَّل الدكتور في ذلك، ومما قال: أما قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا}، فقد بين المفسرون المراد من هذه الآية الكريمة، وجلهم يقول إن المراد من الذين آمنوا ثم كفروا "هم المنافقون" والمنافقون قوم كانوا يتظاهرون بالإيمان قولاً وعملاً، ويبطنون الكفر، وكثيراً ما تعتريهم ومضات من الإيمان ثم يسيطر عليهم الكفر، وأحكام الإسلام إنما يجرى على الظاهر لا على الباطن، فلم يكن لقتلهم على ردتهم سبيل للأمور الآتية:

1- نطقهم بالشهادتين وحضورهم الصلوات في المساجد ... إلخ.
2- إن الردة التي تحدث عنها القرآن - هنا - ليست ردة ظاهرة، وإنما هي أحوال نفسية كانت تعتريهم، واعتقادات قلبية لم يجر بها لسان.

3- إن المنافقين كانوا شديدي الحرص على إخفاء كفرهم، والتظاهر بأنهم مسلمون، فحكمهم لله وحده. وقد حكى القرآن عنهم قلقهم وتقلبهم من حال إلى حال، فقال تعالى: {مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ....} النساء: (143).

وقد أساء منكرو الردة فهم هذه الآية، فحسبوها تتحدث عن قوم آمنوا ثم أعلنوا الكفر، ثم آمنوا ثم أعلنوا الكفر مرة أخرى، ثم ازدادوا كفراً عياناً جهاراً ولم يعاقبهم صاحب الدعوة على ردتهم، وهذا ما أوقعهم في الجرأة والتطاول على فقهاء الأمة سلفاً وخلفاً، ثم ملؤوا الدنيا ضجيجاً قائلين: إن الردة لا تبيح القتل، وأن حدَّ الردة لا وجود له بل هو حدَّ مزعوم، ورموا من يقول به بأهم مضللون. هكذا والله.؟! اهـ.
ويحسن بالسائل الرجوع إلى أصل الكتاب؛ لإتمام الفائدة عما أورده هذا المستشكل وغيره.

والله أعلم.