إذا كان شخص يجيب الله دعاءه في أمور قد تكون من المستحيلات عادة، وقد رأيت عندكم فتوى في قسم التراجم والشخصيات، وهي قصة: ثابت البناني في قبره، وتم الاحتجاج لها بكلام القرافي بأن الولي إذا كانت له مع الله عادة فلا بأس أن يدعو بالمستحيلات عادة، أو إن كان بمعنى: اجعلني وليًّا يجاب له هذا الدعاء، وعندكم أيضًا سؤال في هذا المعنى عن حكم الدعاء في أمر قد يكون مستحيلًا في العادة: اللهم إن كنت تعطي أحدًا هذا الأمر، فأعطني.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

فالأصل أن حكم الدعاء بالأمور المستحيلة عادة، هو المنع، ونص بعض أهل العلم على حرمة ذلك؛ لما فيه من الجرأة، وسوء الأدب مع الله تعالى، وقد ذكر القرافي ذلك في القسم الثاني من المحرم الذي لا يكون كفرًا، فقال: أن يسأل الداعي من الله تعالى المستحيلات العادية. اهـ.

ثم استثنى من ذلك ثلاثة أصناف: الأنبياء، والأولياء، وغير الأولياء إذا كان دعاؤهم بذلك على سبيل طلب الولاية، ولفظه في الصنف الأخير: ويكون معنى سؤاله أن يجعله وليًّا من أهل الولاية حتى يستحق خرق العادة، فهذه الأقسام الثلاثة ليست حرامًا. اهـ.

وقد تعقبه ابن الشاط فقال: إجازة دعاء من ليس بولي بخرق العادة، إجازة للدعاء بخرق العادة، فكل ما أنكره من ذلك فقد أجازه على الوجه الذي ذكره، وإذا أجازه على ذلك الوجه فقد أجازه على الجملة، فلا يصح له منعه بعد ذلك. اهـ.

وقال الحصكفي في الدر المختار: ويحرم سؤال العافية مدى الدهر، أو خير الدارين، ودفع شرهما، أو المستحيلات العادية، كنزول المائدة، قيل: والشرعية. اهـ.

ولا يخفى أن سؤال الأنبياء لخرق العادات لا يخرج غرضه عن نصرة دين الله، ودعوة الناس للإيمان به سبحانه، وإخراجهم من الظلمات إلى النور، فينبغي أن يقيد جواز سؤال خرق العادات من غير الأنبياء لما يؤول إلى هذا المعنى من نصرة الحق، وتكثير الطاعات، وإيجاد ما يحبه الله ويرضاه، لا لشهوات العبد، وأمانيه، ومن ذلك دعاء ثابت البناني ـ رحمه الله ـ فإنه ما طلب نفعًا في دنياه ومعاشه، وإنما طلب زيادة من عبادة يحبها الله ويرضى عن فاعلها، ومع ذلك فقد تأدب مع مقام الربوبية، وعرف قدر العبودية فقيَّد دعاءه، فقال: اللهم إن كنت أعطيت أحدًا الصلاة في قبره فأعطني الصلاة في قبري. وانظر الفتوى رقم: 317062.

وهنا نؤكد على أن كل عبد ينبغي أن يتقيد في دعائه بما يليق بحاله، ولا يتشبه في ذلك بمن هو أعلى منه رتبة، وأرقى منه درجة، وليقتصر طلب الخوارق على ما لا بد للعبد منه، دفعًا لضرورة نزلت به في أمر دينه، أو دنياه، فإن ذلك من جملة حسن الظن بالله تعالى، وصدق التوكل عليه، قال البيهقي في شعب الإيمان: فمن أركانه ـ يعني الدعاء ـ أن يكون المرغوب فيه مما يبلغ قدر السائل أن يسأله، وتفسيره أنه ليس لأحد أن يتشبه بإبراهيم ـ عليه السلام ـ فيدعو الله جل ثناؤه أن يريه كيف يحيي الموتى، ولا أن يتشبه بموسى عليه السلام، فيقول: رب أرني أنظر إليك ـ ولا أن يتشبه بعيسى عليه السلام، فيقول: ربنا أنزل علينا مائدة من السماء ـ ولا لأحد أن يسأل الله تعالى إنزال ملك عليه فيسأله عن خبر من أخبار السماء، أو إحياء أبويه؛ لأن نقض العادات إنما يكون من الله تعالى لتأييد من يدعو إلى دينه، لا لشهوات العباد ومناهم، إلا أن يكون السائل نبيًّا فيجمع إجابته إياه أمنيته وتأييده بما يصدق دعوته... وكذلك إن حدثت له ضرورة من جوع، أو برد شديد، أو غير ذلك في بادية هو مأذون له في دخولها من جهة الشرع، أو أصابه عمى ولا قائد له، فدعا الله أن يكشف ما به من الضر مطلقًا، كان ذلك جائزًا، وإن كان في إجابته إياه نقض العادة، وقد يفعل به ذلك من غير مسألته جزاء له لتوكله، وقوة إيمانه. اهـ.
وهذا مختصر من كلام الحليمي في المنهاج،  وقد نقله عنه جماعة من أهل العلم وارتضوه، كالزركشي في كتاب الزهية في الأدعية.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى: الاعتداء في الدعاء: تارة بأن يسأل ما لا يجوز له سؤاله من المعونة على المحرمات، وتارة يسأل ما لا يفعله الله، مثل: أن يسأل تخليده إلى يوم القيامة، أو يسأله أن يرفع عنه لوازم البشرية: من الحاجة إلى الطعام والشراب، ويسأله بأن يطلعه على غيبه، أو أن يجعله من المعصومين، أو يهب له ولدًا من غير زوجة، ونحو ذلك مما سؤاله اعتداء لا يحبه الله، ولا يحب سائله. اهـ.

وقال ابن القيم في بدائع الفوائد: الاعتداء في الدعاء هو كل سؤال يناقض حكمة الله، ويتضمن مناقضة شرعه وأمره، أو يتضمن خلاف ما أخبر به، فهو اعتداء لا يحبه الله، ولا يحب سائله. اهـ.

وقال الجزائري في أيسر التفاسير: الاعتداء في الدعاء أن يسأل الله ما لم تجر سنته بإعطائه، أو إيجاده، أو تغييره كأن يسأل أن يكون نبيًّا أو أن يرد طفلًا، أو صغيرًا. اهـ.

والله أعلم.