مولده و نشأته:
وُلِدَ أسد بن الفرات في نيسابور145هـ، ثم انتقل إلى تونس، نشأ وترعرع في مدينة القيروان، وكان يتعلم الفقه، ويدرس الحديث والأثر، وتعلم الكثير على يد علماء تونس.

رحلته في طلب العلم:

أراد أن يأخذ العلم من منبعه، فسافر إلى المدينة ليلتقي بالإمام مالك. وصار يحضر حلقاته ويتتلمذ على يديه، وكان للإمام مالك هيبة، وامتازت حلقاته بإنصات تلاميذه وقلة المناقشة على العكس من علماء العراق، إلا أن أسد بن الفرات كان كثير السؤال. فأراد أن ينتقل إلى العراق ليلتقي بالإمام أبو حنيفة، فدخل على الإمام مودعًا سائلًا النصح. فقال له الإمام مالك:

"أوصيك بتقوى الله، والقرآن، والنصيحة للناس"

فأوجز ووفى، فالعلم بغير تقوى وبالٌ على صاحبه، والقرآن دليل البشرية كتاب الله تعالى، والنصيحة رسالة الإسلام.

وحين وصل أسد بن الفرات، كان الإمام أبو حنيفة قد لقي ربه. فالتقى باثنين من أنبغ تلاميذه وهما القاضي أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، محمد بن الحسن كان قد تصدر للتدريس حتى كان من تلاميذه الإمام الشافعي. كانت حلقة العلم تُعقد في المسجد، يحضرها عشرات التلاميذ، في زمان لا يوجد فيه مكبرٌ للصوت، فتارة كان أسد بن الفرات يسمع جيدًا، وتارة يفقد الصوت، فشكى ذلك لمحمد بن الحسن، فماذا كان رده؟ وهو معلمٌ كبير يحضر له الناس في كل يوم يستمعون إليه ويطلبون الفتوى؟ قال له:

" قد جعلت النهار للعراقيين، وجعلت الليل لك! "

سمح له أن يعلمه ليلًا في منزله، فأخذه إلى بيته وكان يسهر معه الليل، ووضع إناء ماء فإذا نعس تلميذه، نضح وجهه ليصحو. صدق في البحث والسعي فيسر الله أمره، ولقي معلمًا مخلصًا متجردًا. آمن برسالته فكان تعليمه لابن الفرات، تعليمًا لأهل تونس. وكما تعلم منهم مذهب الإمام أبو حنيفة، فقد نقل إليهم مذهب الإمام مالك. ولما علم بوفاة الإمام ملك حزن حزنًا شديدًا، وندم على مفارقته. ثم رحل إلى مصر والتقى أشهب وابن القاسم من تلاميذ الإمام مالك، وكتب المدونة أو الأسدية، وشاء الله أن تكون أساس الفقه المالكي كله.

عاد إلى القيروان بعد رحلة في طلب العلم استغرقت عشرين عامًا، فجلس للتدريس يعطي للتلاميذ مثل ما أخذ من أساتذته، أفاض عليهم مما علمه رب العالمين. وفي هذه الفترة تولى منصب القضاء، وما منعه ذلك من مواصلة نشر ما أنعم الله به عليه من علمٍ وفقه في الدين. فالأمانة التي نحملها لا تكمن فقط في أن أصلي وأصوم وأقوم بأمر نفسي، بل أيضًا نشر هذا الدين

وحين كان في السابعة والستين من عمره، نادى منادي الجهاد في سبيل الله أن هلموا لفتح صقلية.

فتح صقلية:

كانت  صقلية على عهدٍ مع المسلمين أن يردوا كل أساري المسلمين، لكن البيزنطيون نقضوا العهد. فأعلن حاكم تونس زياد الله الأغلبي عن تجهيزِ جيشٍ كبير، ولما علم بن الفرات بذلك أراد الخروج معهم، وهو في عمره هذا الذي تضعفُ فيه القوى، لكنه وجد راحته في الجهاد في سبيل الله، ونشر دين الحق، والدفاع عن حرمات المسلمين. فلم يكن يعلم الناس كلامًا نظريًا، ثم يكون أول من يتخلف عن نصرة الحق، بل أكدت أقواله الفعال. فاللهم اجعلنا من الصادقين. أراد أن يتطوع جنديًا في هذا الجيش، لكن الأغلبي يعرف قدره، فأسند إليه القيادة.

انطلق الجيش:

انطلقت السفن من ميناء سوسة، ووقف قبلها القائد يخطب في جنده، فقد كان القائد القاضي “أسد بن الفرات”، وأخذ يحض المجاهدين ويبين لهم منزلة  الشهداء. وقال:

“والله يا معشر الناس ما ولي لي أبٌ ولا جد ولاية قط، وما رأي أحد من أسلافي مثل هذا قط، وما بلغته إلا بالعلم، فعليكم بالعلم، أتعبوا  فيه أذهانكم، وكدوا به أجسادكم، تبلغوا به الدنيا والآخرة”

سار الأسطول الإسلامي حتى بلغ شواطئ صقلية، فأصدر القائد أمره ببدء المعركة، ثم بدأ الجيش الإسلامي العظيم ينتقل من نصر إلى نصر حتى بلغ سرقوسة، وحاصرها المسلمون وشددوا قبضتهم عليها، وأثناء حصارها مرض القائد العظيم أسد بن الفرات، وصعدت روحه الطاهرة لتحتل مكانها بين الصديقين والشهداء والصالحين”بإذن الله”، وحسن أولئك رفيقًا. ولم يتم فتح الجزيرة كاملةً إلا في العهد الفاطمي. وقد أقام المسلمون في هذه البلاد حضارة من أفضل ما يكون رغم عدم استقرار الأوضاع، ومما يُذكر أن أهم معابر الحضارة لأوروبا، الأندلس وصقلية.

وسبحان الله، تجد في صفحات التاريخ أن تقدمنا وعلونا يرتبط بتمسكنا بعقيدتنا، وكل نكباتنا تقترن بابتعادنا عنها وتفريطنا في ديننا، فاللهم عودًا كسابق عهدنا.