وصية الميت كانت بيع البيت لتسديد دينها لابنتها، وإعطائها النصف، وللزوج الربع، ولأمها وأبيها الثلث، وإخراج الثلث في سبيل الله. هل يجب بيع البيت؟ ما الحكم إذا تنازلت الابنة عن الدين، ولا ترغب ببيع البيت؟ وفي إخراج الثلث في سبيل الله. كيف أخرج الثلث بدون بيع البيت؟ هل أستطيع أن أخرجه من الشقتين، وأتصدق عنها؟ وهل صحيح عدم بيع البيت بدون موافقه الابنة، والأم والأب يريدان بيعه؟

الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

فنقول ابتداء إن موضوع الإقرار بالدين للبنت، وموضوع الوصية، شائك، ولا بد فيه من الوقوف على نصها، أو مشافهة الورثة لأهل العلم، حتى يتم تحرير الوصية بلفظها ومعرفة ملابساتها، والذي يمكننا قوله باختصار هو ما يلي:
 أولها: أن إقرار المرأة قبل وفاتها بدين عليها لابنتها، هذا ينظر فيه، فإن كان هذا الإقرار صدر منها في صحتها، أو في مرض غير مخوف، فلا إشكال، ويثبت الدين في ذمتها بهذا الإقرار، وإن كان الإقرار بالدين لابنتها صدر منها في مرض مخوف؛ فإنه لا يعتد به، إلا إذا أقامت البنتُ بينةً على أن لها دينا على أمها، أو يصدقها الورثة بذلك.

جاء في الموسوعة الفقهية: وَأَمَّا إِقْرَارُ الْمَرِيضِ لِوَارِثٍ فَهُوَ بَاطِلٌ، إِلاَّ أَنْ يُصَدِّقَهُ الْوَرَثَةُ، أَوْ يَثْبُتَ بِبَيِّنَةٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: إِنْ كَانَ مُتَّهَمًا فِي إِقْرَارِهِ، كَأَنْ يُقِرَّ لِوَارِثٍ قَرِيبٍ مَعَ وُجُودِ الأْبْعَدِ أَو الْمُسَاوِي، كَمَنْ لَهُ بِنْتٌ وَابْنُ عَمٍّ، فَأَقَرَّ لاِبْنَتِهِ، لَمْ يُقْبَل. اهـ.
 ثانيا: إن ثبت الدين على المرأة المتوفاة، فإنه يجب أولا سداد الدين قبل قسمة التركة على مستحقيها؛ لأن سداد الدين مقدم على حق الورثة في المال؛ لقول الله تعالى في آيات المواريث: { ... مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ... } النساء : 11.

جاء في الموسوعة الفقهية: دَيْنُ الآْدَمِيِّ هُوَ الدَّيْنُ الَّذِي لَهُ مُطَالِبٌ مِنْ جِهَةِ الْعِبَادِ، فَإِنَّ إِخْرَاجَ هَذَا الدَّيْنِ مِنَ التَّرِكَةِ وَالْوَفَاءَ بِهِ وَاجِبٌ شَرْعًا عَلَى الْوَرَثَةِ قَبْل تَوْزِيعِ التَّرِكَةِ بَيْنَهُمْ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: { مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ } وَعَلَى ذَلِكَ الإْجْمَاعُ، وَذَلِكَ حَتَّى تَبْرَأَ ذِمَّتُهُ مِنْ حُقُوقِ النَّاسِ، أَوْ حَتَّى تَبْرُدَ جِلْدَتُهُ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ. اهــ.
ولا يلزم بيع البيت لسداد الدين إن كان للمرأة مال آخر يمكن سداد الدين منه، وإلا لزم بيع البيت.
 ثالثا: يجوز للبنت إذا كانت بالغة رشيدة، أن تتنازل عن دينها على أمها، ولا حرج عليها في ذلك، وأما إن كانت صغيرةً، أو بالغةً غير رشيدة؛ فإنه لا عبرة بتنازلها، وليس لوليها أيضا أن يتنازل عن الدين، ولا شيء من حقها في الميراث.
 رابعا : يجب إخراج الثلث الموصى به في سبيل الله؛ لأنه وصية في حدود المشروع -وهو الثلث- ولغير وارث، وهذه الوصية واجبة النفاذ، وتقدم على حق الورثة في المال؛ لقول الله تعالى في آيات المواريث: { ... مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ... } النساء : 11، فالدين والوصية مقدمان على حق الورثة في المال.
خامسا: وقولها "في سبيل الله" عند الإطلاق، يصرف إلى الجهاد، وقيل للحج.

جاء في الموسوعة الفقهية: الْوَصِيَّةُ فِي سَبِيل اللَّهِ: ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَأَبُو يُوسُفَ إِلَى أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ فِي سَبِيل اللَّهِ تَعَالَى. يُصْرَفُ فِي الْغَزْوِ؛ لأِنَّهُ الْمَفْهُومُ شَرْعًا، وَالْفَتْوَى عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى قَوْل أَبِي يُوسُفَ. وَذَهَبَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ إِلَى أَنَّهَا تُصْرَفُ فِي الْحَجِّ أَيْضًا. قَال مُحَمَّدٌ: لَوْ أَعْطَى حَاجًّا مُنْقَطِعًا جَازَ، وَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَجْعَلَهُ فِي الْغَزْوِ. اهــ.
 سادسا: الثلث يشمل عند الإطلاق ثلث التركة كلها، ومنها البيت، فيجب بيع ثلث البيت حتى يتم إخراج الوصية، وللورثة أو بعضهم شراء هذا الثلث.
 سابعا: يقتسم الورثة نصيبهم -بعد الدين والوصية- على حسب ما جاء به الشرع، فإذا لم تترك من الورثة إلا ابنتها وزوجها وأمها وأباها: فإن لابنتها النصف، ولزوجها الربع، ولكل واحد من أبيها وأمها السدس.

ومسألتهم عائلة، فتقسم التركة على ثلاثة عشر سهما للبنت منها ستة أسهم، وللزوج منها ثلاثة أسهم، وسهمان لكل واحد من أبويها.
 ثامنا: إذا تعذر قسمة البيت بينهم -بعد إخراج الثلث منه- على هذه الأسهم، وطالب أحدهم ببيعه، أجبر البقية على البيع، وليس لأحدهم الحق في منع البيع، وقد نص الفقهاء على أن الأملاك التي يحصل الضرر بقسمتها، إذا طلب أحد الشركاء بيعها وقسمة ثمنها، لزم بقية الشركاء البيع وأجبروا عليه من قبل الحاكم إن امتنعوا.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: كَلُّ مَا لَا يُمْكِنُ قَسْمُهُ، فَإِنَّهُ يُبَاعُ وَيُقْسَمُ ثَمَنُهُ إذَا طَلَبَ أَحَدُ الشُّرَكَاءِ ذَلِكَ؛ وَيُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ عَلَى الْبَيْعِ وَحَكَى بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ ذَلِكَ إجْمَاعًا. اهــ.

 والله تعالى أعلم.