أعطاني أحد زملائي مبلغًا من المال هدية منه، فعرضت عليه المال بعد فترة؛ فرفض، وكنت قد أخبرته أنني لا أعمل، لكنني في الحقيقة أعمل، ولديّ راتب شهري، ثم عرضت عليه بعد مدة إرجاع المبلغ؛ فرفض رفضًا قاطعًا، وقال: هو هدية لك، وقد أخبرته أنني أملك المال، ثم عرضت عليه المبلغ بعد سنة، فرفض، وقال: لا تكلمني فيه مرة أخرى، وبعد مرور سنتين، جاء يطالبني بالمبلغ، بدعوى أنني كذبت عليه حين قلت له: إني لا أعمل، فما حكم المال الذي أخذته منه؟

الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه، ومن والاه، أما بعد:

فإن أعطاك المال بناء على ما أخبرته به من أنك لا تعمل، فإن المال لم يحل لك ابتداءً؛ لأنك حصلته بطريق الكذب، ولكن إن أخبرته بعد ذلك بالحقيقة، فرفض أخذه، وأمضى الهدية أو الصدقة، فلا حرج عليك في الانتفاع به.

وإن طلب استرجاعه بعد ذلك، فأخبره بأن العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه.

فإن أصر على استرجاع الهبة، فردها إليه؛ لحديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: مَثَلُ الَّذِي يَسْتَرِدُّ مَا وَهَبَ، كَمَثَلِ الْكَلْبِ يَقِيءُ فَيَأْكُلُ قَيْئَهُ، فَإِذَا اسْتَرَدَّ الْوَاهِبُ فَلْيُوَقَّفْ، فَلْيُعَرَّفْ بِمَا اسْتَرَدَّ، ثُمَّ لِيُدْفَعْ إِلَيْهِ مَا وَهَبَ. رواه أحمد، وأبو داود، وغيرهما، وصححه الألباني، وأحمد شاكر.

قال في عون المعبود: أَيْ: إِذَا رَجَعَ فِي هِبَتِهِ، فَلْيَسْأَلْ عَنْ سَبَبِهِ، ثُمَّ يُرَدُّ عَلَيْهِ هِبَتُهُ؛ لَعَلَّهُ وَهَبَ لِيُثَابَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يُثَبْ عَلَيْهِ، فَيَرْجِعُ لِذَلِكَ ...

وَالْمَعْنَى: مَنْ وَهَبَ هِبَةً ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَرْتَجِعَ، فَلْيَفْعَلْ بِهِ ... ثُمَّ يُنَبِّهُ عَلَى مَسْأَلَةِ الْهِبَةِ لِيَزُولَ جَهَالَتُهُ، بِأَنْ يُقَالَ لَهُ: الْوَاهِبُ أَحَقُّ بِهِبَتِهِ مَا لَمْ يُثَبْ مِنْهَا، وَلَكِنَّهُ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ. فَإِنْ شِئْتَ فَارْتَجِعْ، وَكُنْ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ، وَإِنْ شِئْتَ فَدَعْ ذَلِكَ؛ كَيْلَا تَتَشَبَّهَ بِالْكَلْبِ الْمَذْكُورِ. فَإِنِ اخْتَارَ الِارْتِجَاعَ بَعْدَ ذَلِكَ أَيْضًا، فَلْيَدْفَعْ إِلَيْهِ مَا وَهَبَ. اهـ.

والله تعالى أعلم.