في الحج لهذا العام قررنا أنا وزوجي التعجل، فذهبنا لرمي الجمرات، فتم تغيير طريق الذهاب للجمرات من الأمن بسبب ازدحام الحجاج العائدين من رمي الجمرات، وكان طريقًا طويلًا وشاقًّ جدًّا، فصعدنا جبلًا مرتفعًا، وعندما وصلنا وجدنا سورًا، فكان علينا أن نتسلقه ونقفز من فوقه لإكمال الطريق، وفيه مكان لصعود الرجال وآخر للنساء، فلما صعدت وكان زوجي ليس إمامي ليسندني استعنت برجل أجنبي واقف أسندني من على العباءة، وعند قفزي أسندني أيضًا، وقد ندمت على ذلك، فما حكم ذلك؟ وما كفارته؟ وهل هذا يفسد الحج؟ وجزاكم الله خيرًا.

الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه، ومن والاه، أما بعد:

فإن كنت تعنين بقولك عن الرجل الأجنبي: أسندني ـ أي: بغير مماسة بينكما، كأن وضع لك شيئا وقفت عليه، وتمكنت من تجاوز السور، فلا حرج في هذا، وقد بُوِّبَ في صحيح مسلم بابُ: جَوَازِ إِرْدَافِ الْمَرْأَةِ الأَجْنَبِيَّةِ إِذَا أَعْيَتْ فِي الطَّرِيقِ ـ وساق فيه الإمامُ مسلمٌ حديث أسماء بنت أبي بكر في حديث طويل، وفيه: فَلَقِيتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَدَعَانِي، ثُمَّ قَالَ: إِخْ إِخْ ـ لِيَحْمِلَنِي، خَلْفَهُ، قَالَتْ: فَاسْتَحْيَيْتُ... إلخ.

قال النووي في شرح مسلم: وَفِيهِ: جَوَاز إِرْدَاف الْمَرْأَة الَّتِي لَيْسَتْ مَحْرَمًا، إِذَا وُجِدَتْ فِي طَرِيق قَدْ أَعْيَتْ، لَا سِيَّمَا مَعَ جَمَاعَة رِجَال صَالِحِينَ، وَلَا شَكّ فِي جَوَاز مِثْل هَذَا، وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض: هَذَا خَاصّ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخِلَافِ غَيْره، فَقَدْ أَمَرَنَا بِالْمُبَاعَدَةِ مِنْ أَنْفَاس الرِّجَال وَالنِّسَاء، وَكَانَتْ عَادَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُبَاعَدَتهنَّ؛ لِتَقْتَدِي بِهِ أُمَّته، قَالَ: وَإِنَّمَا كَانَتْ هَذِهِ خُصُوصِيَّة لَهُ؛ لِكَوْنِهَا بِنْت أَبِي بَكْر، وَأُخْت عَائِشَة، وَامْرَأَة الزُّبَيْر، فَكَانَتْ كَإِحْدَى أَهْله وَنِسَائِهِ، مَعَ مَا خُصَّ بِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَمْلَك لِإِرْبِهِ. اهـ.

وقال في عون المعبود عن حديث آخر في إرداف المرأة على الدابة: فالإرداف لا يستلزم المماسة، فلا إشكال في إردافه صلى الله عليه وسلم إياها. اهـ.

وأما إن كنت تعنين أنه أمسك بك بيديه، فلا يجوز للمرأة أن تمكن رجلًا أجنبيًّا من مسها في غير حال الضرورة الملجئة، وليس فيما ذكرت ضرورة ملجئة، إذ كان بإمكانك أن تنتظري زوجك حتى يعود إليك، ونحو ذلك.

ومع هذا؛ فإن الحج لا يبطل بما حصل.

والله أعلم.