عمري أوشك على الثلاثين، ووالدي عالي الصوت، يستفزه أصغر الأمور، ويكبرها إذا لم تعجبه، أو إذا لم يكن معتادًا عليها، ويخشى أشياء، كفقدان العمل، أو قلة الراتب، أو عدم زواجي، ويخشى عليّ من كل شيء، فيمنعني الخروج من المنزل دون أخي، رغم أن مجتمعنا مفتوح، وأذهب للدراسة بمفردي، ولكن إن رغبت في زيارة الأهل، يرفض، وإن ساعدت إحدى قريباتي مع أطفالها، أو في بيتها، يغضب، ويقسو عليّ حتى يجبرني على فعل الطاعات في المنزل، وترك ما يسميه الملهيات، فدائمًا ما يقول: خلقنا للعبادة، والذِّكر، فإن كان هناك وقت، فاعملي. وقسوته تكون بشدة الكلام، والصراخ، واتهامي في ديني، وأخلاقي، وقد يكون ما يتهمني به صحيحًا، ولكن لا يستحق كل هذا التعنيف، وقد يكون غير صحيح، ومجرد ظن، كرد فعل لقول، أو فعل عابر؛ لأنه يتوقع الأسوأ دائمًا، فهو يتهم بلا علم، على اعتبار أن هذا هو الغالب على جيلي من الفتيات فعله، وهذا المنتشر من الأفعال، فنحن لا نعيش معًا طول العام؛ نظرًا لعمله بدولة أخرى منذ أكثر من 15 عامًا، ونلتقي في الإجازات، وأسأل عن: - يطلب مني والدي قراءة ورد من القرآن، ويسألني عنه، وأنا أحب قراءة القرآن لله، ولكن لا أحب أن أقرأه لأجل أن أقول له: قرأت؛ فذلك يشعرني بالرياء، ويثقل القراءة في قلبي. - أجبرني قبل سنوات على الصلاة في جماعة مع أمي في المنزل، حتى لا يفوتني أجرها، ولكني تأذيت نفسيًّا من ذلك، وأصبحت أكره صلاة الجماعة، وإن صليتها لا أخشع. - ينفّرني والدي من كل ما أقوم به دون قصد منه، فحين يراني أدرس يقول: كل العلوم سوى القرآن مشغلة، إلا الحديث، وعلم الفقه في الدين، وحين يراني أعمل يقول: ماذا جنيت من عملك هذا سوى بضعة جنيهات لا قيمة لها؟ لا أعرف هل لا يجب عليّ التأثر بكلامه، وإهماله؛ حتى لا أتكاسل عن عملي، ودراستي، أم آخذ كلامه على محمل الجد، وأترك الدراسة، والعمل، مهما كانت النتائج، رغم أنه لن يرضى بهذا أيضًا، فهو يتفاخر بكوني مهندسة؟ - أختي تعامله بجفاء، وتنعزل عن الجميع، وأصبحت لها حياتها الخاصة، ولا أحد يعرف عنها شيئًا، وهي لا زالت صغيرة -20 عامًا-. أما إخوتي فيراؤونه، فأمامه يصلون، ويقولون الأذكار، ومن خلفه يدخنون، ولا يصلون، ويحدثون الفتيات، ورغم ذلك إن حدثته باللين حتى يعاملنا بلين، يغضب، ويقول: هل تربيني؟ - أحيانًا يمنع أمي عن زيارة أمها مرة أسبوعيًّا بحجة دراستي، وإخوتي، رغم أن أصغرنا عمره 20 عامًا، ورغم أن أمي أكثر أخواتها صحة -والحمد لله-، وجدتي فوق السبعين، وتحتاج الرعاية الكاملة، وأبناؤها أصحاب مرض، وإن طلبت أنا منه أن أرعاها وأبيت عندها، سيرفض على اعتبار أنه قد يزورها من ليسوا محارم لي، فهل نأثم على ذلك؟ وهل يأثم هو؟ - أخيرًا قد يزيد أبي نصحي بأسلوبه القاسي في الاتهام إلى أن أتأذى منه نفسيًّا، وأكتئب، وأحيانًا لا أتحمل، فأرد عليه، أو أبكي، وحينها يغضب لبكائي، ويعتبره تأففًا، فيزداد في كلامه، أو يتوقف، فماذا عليّ أن أفعل؟ وهل آثم إذا بكيت بسبب شدته تلك؟ وجزيتم خيرًا.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

 فمحافظتك على تلاوة القرآن طاعة لوالدك، ليس من الرياء، بل نرجو أن يكون لك أجران: أجر التلاوة، وأجر برّ الوالد.

فهنيئًا لك بهذه الأجور، ولا تلتفتي لوساوس الشيطان التي توهمك بأنّ ذلك من الرياء، وراجعي الفتوى رقم: 190469.

وصلاتك مع أمّك في جماعة مستحبة غير واجبة، وأمر والدك بها يزيدها استحبابًا، قال القرطبي: وقد ذهب بعض الناس إلى أن أمرهما بالمباح، يصيره في حق الولد مندوبًا إليه، وأمرهما بالمندوب يزيده تأكيدًا في ندبيته.

فلا تجب عليك صلاة الجماعة مع أمّك، ولكن تستحب لك طاعة والدك في ذلك، وانظري الفتوى رقم: 223744.

أمّا تنفير والدك لك من العلوم الدنيوية النافعة، أو الأعمال المباحة المفيدة، بدعوى أنّ كل العلوم سوى القرآن، والحديث، والفقه لا قيمة لها، فهو قول غير صحيح، فالعلوم الدنيوية النافعة مطلوبة، وفي تعلمها وتعليمها أجر لمن خلصت نيته، وصلح قصده، وراجعي الفتوى رقم: 339457.

والواجب عليك نصح إخوتك وأخواتك، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، وحثهم على برّ الوالد، والإحسان إليه، وإخلاص العمل لله تعالى.

وقد اختلف أهل العلم في حكم منع الزوج زوجته من زيارة والديها، والراجح عندنا أن الزوج يأذن لزوجته في زيارة أهلها بقدر متعارف، ما لم يخش إفسادهم لها.

وإذا كانت جدتك محتاجة إلى رعاية أمّك في بعض الوقت، ولم يكن هناك غيرها من يقوم بذلك، فالواجب على أمّك أن تذهب لرعايتها، ولو منعها زوجها، وانظري الفتوى رقم: 110919.

وإذا آذاك أبوك بالكلام، ونحوه، فبكيت، فليس ذلك من التأفف المنهي عنه، أمّا ردك عليه، فإن كان بكلام مسيء، فلا يجوز.

واعلمي أنّ برّ الوالد من أفضل الأعمال، وأحبها إلى الله؛ ففي الأدب المفرد للبخاري عن عبد الله بن عمر-رضي الله عنه- قَالَ: رِضَا الرَّبِّ فِي رِضَا الْوَالِدِ، وَسَخَطُ الرب في سخط الوالد. وعن أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الوالد أوسط أبواب الجنة، فإن شئت فأضع هذا الباب، أو احفظه. رواه ابن ماجه، والترمذي.

قال المباركفوي -رحمه الله-: قَالَ الْقَاضِي: أَيْ: خَيْرُ الْأَبْوَابِ وَأَعْلَاهَا. وَالْمَعْنَى أَنَّ أَحْسَنَ مَا يُتَوَسَّلُ بِهِ إِلَى دُخُولِ الْجَنَّةِ، وَيُتَوَسَّلُ بِهِ إِلَى وُصُولِ دَرَجَتِهَا الْعَالِيَةِ، مُطَاوَعَةُ الْوَالِدِ، وَمُرَاعَاةُ جَانِبِهِ.

والله أعلم.