زوج أختي باع مركبًا لشخص، وبعد فترة رفع هذا الشخص دعوى قضائية على زوج أختي بأنه لم يتسلم المركب، فلجأ زوج أختي إلى النجار الذي صنع المركب، وطلب منه كتابة إقرار بأنه سلمه للمشتري، ولتقنين الإجراء طلب مني المحامي التوقيع كشاهد على هذا الإقرار بأن التسليم تم في حضوري، فقمت بالتوقيع بناء على علمي بالموضوع، وبناء على سؤالي للنجار الذي أقر أمامي بأن المشتري تسلمه بالفعل، فهل مجرد إمضائي على الإقرار يعتبر من شهادة الزور؟

الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه، ومن والاه، أما بعد:

فإذا شهدت أن التسليم تم في حضورك وأنت في الحقيقة لم تكن حاضرًا، فلا شك أن هذا كذب، يستوجب التوبة إلى الله تعالى، وإن أدت شهادتك الكاذبة إلى إبطال حقٍّ لمشتري المركب، فإنها تكون شهادة زور، فإن شهادة الزور -كما في الموسوعة الفقهية الكويتية-: وَشَهَادَةُ الزُّورِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ: هِيَ الشَّهَادَةُ بِالْكَذِبِ لِيُتَوَصَّل بِهَا إِلَى الْبَاطِل مِنْ إِتْلاَفِ نَفْسٍ، أَوْ أَخْذِ مَالٍ، أَوْ تَحْلِيل حَرَامٍ، أَوْ تَحْرِيمِ حَلاَلٍ. اهـ.

ولو فرضنا أن النجار صادق في حصول التسليم، فإنه لا يجوز لك أن تشهد أنه تم في حضورك كذبًا، ثم الشهادةُ بناءً على مجرد خبر النجار لا تجوز أيضًا؛ إذ الشهادة بناءً على السماع لا تكون إلا في الخبر المستفيض عند القائلين بها، جاء في الموسوعة الفقهية: شَرْطُ التَّسَامُعِ، وَهُوَ الشَّهَادَةُ بِالتَّسَامُعِ مِنْ جَمَاعَةٍ يُؤْمَنُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، وَذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْمَالِكِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ، وَمُحَمَّدٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَقِيل: يَكْفِي رَجُلاَنِ عَدْلاَنِ، أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ، وَهُوَ قَوْل الْخَصَّافِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ، وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ. اهـ.

كما أنها عندهم في أمور معدودة ليس منها الاختلاف في التسليم بين البائع والمشتري، فلا شك أنك أخطأت في تلك الشهادة، فاتق الله تعالى، وتب إليه، وانظر الفتوى رقم: 120790 في كيفية التوبة من شهادة الزور.

وإذا اختلف البائع والمشتري في تسليم السلعة، فادعى البائع التسليم وأنكر المشتري، فإن القولَ قولُ المشتري؛ لأن الأصلَ عدمُ التسليم، فيطالَبُ البائعُ بإقامة البينة على التسليم، كما نص على ذلك الفقهاء، قال المازري المالكي في شرح التلقين: فأما إن أنكر المشتري قبض السلعة المبيعة، فإن القول قوله، إذا لم يقع إشهاد بينهما على كون الثمن في ذمة المشتري؛ لأن على البائع التمكين من المبيع، وتسليمه لمشتريه، والأصل كونه غيرَ فاعل لهذا، فإذا زعم أنه قد فعله، فعليه إثباتٌ، وأما إن وقع الإشهاد على المشتري بالثمن، فإن في ذلك قولين: المشهور منهما: أن البائع مصدق في دفع السلعة، وذهب محمَّد بن عبد الحكم إلى أن البائع لا يصدق في دفع السلعة، وهو ظاهر مذهب ابن أبي ليلى، وهذا الذي قاله محمَّد بن عبد الحكم هو طرف التعليل الذي قدمناه؛ لأنا ذكرنا أن على البائع التمكينَ من المبيع، والتسليم له، وإن ادعى أنه فعله، فعليه إثبات ذلك، وهذا التعليل جار في كون المشتري قد أُشهد عليه الثمنُ، على حسب ما هو جار في إذا لم يشهد عليه بالثمن، ومن ذهب إلى تصديق البائع يعتلُّ بأن الظاهر في العادة أن المشتري لا يسامِح بالإشهاد على عمارة ذمته بالثمن، وكونه مطلوبًا به، إلا وقد قبض السلعة التي هي عوض ما أشهد به على نفسه. اهـ.

والبينة التي يثبت بها قول البائع أنه سلم المركب: أقلها: ‏رجل وامرأتان، أو رجل ويمين ‏المدعي، جاء في المغني لابن قدامة: وَلَا يُقْبَلُ ‏فِي الْأَمْوَالِ أَقَلُّ مِنْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، ‏وَرَجُلٍ عَدْلٍ مَعَ يَمِينِ الطَّالِبِ... ‏وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ ثُبُوتَ الْمَالِ ‏لِمُدَّعِيهِ بِشَاهِدٍ، وَيَمِينٍ، وَرُوِيَ ذَلِكَ ‏عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، ‏وَعَلِيٍّ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ـ وَهُوَ قَوْلُ ‏الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ ‏الْعَزِيزِ، وَالْحَسَنِ، وَشُرَيْحٍ، وَإِيَاسَ، ‏وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَيَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ، ‏وَرَبِيعَةَ، وَمَالِكٍ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، ‏وَأَبِي الزِّنَادِ، وَالشَّافِعِيِّ. اهـ ‏مختصرًا.

والله أعلم.