أسكن في عمارة بها العديد من الشقق، واختلفت أنا وزوجتي على لبس معين تلبسه قبل الخروج معي، واشتد الخلاف، فقلت لها: "عليّ الطلاق ما أنت خارجة"، فاشتد غيظها أكثر، وقالت: سأخرج، وأوقع اليمين، ففتحت باب الشقة وخرجت، ثم دخلت، وقصدي لم يكن خروجها من باب الشقة، بل قصدت خروجها للخارج في الشارع، وكانت أختها حاضرة، فقلت: اتصلي بوالدتك؛ لأنها بفعلتها هذه أصبحت طالقًا، فما الحكم؟

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

فما دمت حلفت على زوجتك قاصدًا منعها من الخروج إلى الشارع، وليس مجرد خروجها من الباب، فيمينك مقيدة بما نويته، فلا تحنث بخروجها من الباب فقط؛ لأنّ النية في اليمين تخصص العام، وتقيد المطلق، قال ابن قدامة -رحمه الله-: وجملة ذلك أن مبنى اليمين على نية الحالف، فإذا نوى بيمينه ما يحتمله، انصرفت يمينه إليه، سواء كان ما نواه موافقًا لظاهر اللفظ، أو مخالفًا له... والمخالف يتنوع أنواعًا، أحدها: أن ينوي بالعام الخاص.

وعليه؛ فلم يقع الطلاق بخروج زوجتك من الباب ورجوعها دون خروجها إلى الشارع.

أمّا قولك بعد ذلك: لأنها بفعلتها هذه أصبحت طالقًا ـ فإن قصدت به إيقاع الطلاق، فقد وقع.

وأمّا إن قصدت به الإخبار بوقوع الطلاق؛ لظنّك وقوعه بخروجها من الباب ـ وهذا هو الظاهر ـ فالراجح عندنا عدم وقوع الطلاق في هذه الحال، جاء في العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية:... إذا أقر بالطلاق بناء على ما أفتى به المفتي، ثم تبين عدم الوقوع، فإنه لا يقع، كما في جامع الفصولين، والقنية... يعني لا يقع ديانة.

وفي تحفة المحتاج في شرح المنهاج: وجعل البلقيني في فتاويه من القرينة ما لو قال لها: أنت حرام عليّ، وظن أنها طلقت به ثلاثًا، فقال لها: أنت طالق ثلاثًا، ظانًّا وقوع الثلاث بالعبارة الأولى، فإنه سئل عن ذلك، فأجاب بقوله: لا يقع عليه طلاق بما أخبر به؛ بانيًا على الظن المذكور.

وننبهك إلى أن الحلف المشروع هو الحلف بالله تعالى، وأما الحلف بالطلاق: فهو من أيمان الفساق، وقد يترتب عليه ما لا تحمد عقباه.

والله أعلم.