قال الله تعالى: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ـ سورة المائدة، وأثر عبد الله بن مسعود في البخاري حين سئل عن الرشوة فقال: هي كفرـ وقوله تعالى: فلا وربك لا يؤمنون حتي يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ـ وأثر ابن عباس: كفر دون كفر، وفسق دون فسق، وظلم دون ظلم ـ فهل الآيات والأثران تفسر بأن الحكم بغير ما أنزل الله كفر؟ أتمني أن تطلعوني على التحقيق في الأثر المنسوب لابن عباس: كفر دون كفر ـ وصحته من عدمها.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فأما أثر ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ فلا نعلمه في صحيح البخاري! وقد عزاه البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة لمسدد، وأبي يعلى، وقال: ورواه الطبراني موقوفا بإسناد صحيح. اهـ.
وعزاه المنذري في الترغيب والترهيب للطبراني موقوفا بإسناد صحيح. اهـ.
وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه الطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح. اهـ.
وعزاه العجلوني في كشف الخفاء للطبراني بسند صحيح.
وقال الألباني في صحيح الترغيب: صحيح لغيره موقوف. اهـ.
وأما أثر ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ فهو صحيح عنه من طرق وبألفاظ، ويمكنك الرجوع إليها محققة في سلسلة الأحاديث الصحيحة: 6 ـ 113 ـ 2552 ـ للشيخ الألباني.

وأما دلالة الأثر والآيات في هذا الباب، فقد قال الطبري في تفسيره آية المائدة: قد اختلف أهل التأويل في تأويل الكفر في هذا الموضع، فقال بعضهم: عني به اليهود الذين حرفوا كتاب الله، وبدلوا حكمه... وقال آخرون: بل عني بذلك كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق... وقال آخرون: بل نزلت هذه الآيات في أهل الكتاب، وهي مراد بها جميع الناس، مسلموهم وكفارهم... وقال آخرون: معنى ذلك ومن لم يحكم بما أنزل الله جاحدا به، فأما الظلم والفسق فهو للمقر به... اهـ.
وذكر تحت كل قول من قال به، ثم قال: أولى هذه الأقوال عندي بالصواب قول من قال: نزلت هذه الآيات في كفار أهل الكتاب، لأن ما قبلها وما بعدها من الآيات ففيهم نزلت، وهم المعنيون بها، وهذه الآيات سياق الخبر عنهم، فكونها خبرا عنهم أولى، فإن قال قائل: فإن الله تعالى قد عم بالخبر بذلك عن جميع من لم يحكم بما أنزل الله، فكيف جعلته خاصا؟ قيل: إن الله تعالى عم بالخبر بذلك عن قوم كانوا بحكم الله الذي حكم به في كتابه جاحدين، فأخبر عنهم أنهم بتركهم الحكم على سبيل ما تركوه كافرون، وكذلك القول في كل من لم يحكم بما أنزل الله جاحدا به هو بالله كافر، كما قال ابن عباس، لأنه بجحوده حكم الله بعد علمه أنه أنزله في كتابه نظير جحوده نبوة نبيه بعد علمه أنه نبي. اهـ بتصرف.

ونقل ذلك الأثيوبي في ذخيرة العقبى، وقال: هذا الذي رجحه ابن جرير ـ رحمه الله تعالى ـ هو الحق عندي، وحاصله أن الآيات نزلت في أهل الكتاب، لدلالة السياق على ذلك، ولكنها تشمل هذه الأمة إذا سلكت سبيلهم بتركها الحكم بما أنزل الله جحودا وعنادا، لا ظلما وفسقا ـ والله تعالى أعلم.

وقال ابن أبي العز في شرح العقيدة الطحاوية ما خلاصته: الحكم بغير ما أنزل الله قد يكون كفرا ينقل عن الملة، وقد يكون معصية كبيرة، أو صغيرة، ويكون كفرا مجازيا، وذلك بحسب حال الحاكم، فإنه إن اعتقد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب، وأنه مخير فيه، أو استهان به مع تيقنه أنه حكم الله، فهذا كفر أكبر، وإن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله، وعلمه في هذه الواقعة، وعدل عنه مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة، فهذا عاص، ويسمى كافرا كفرا مجازيا، أو كفرا أصغر، وإن جهل حكم الله فيها، مع بذل جهده، واستفراغ وسعه في معرفة الحكم، وأخطأه، فهذا مخطئ، له أجر على اجتهاده، وخطؤه مغفور. انتهى كلام ابن أبي العز ـ رحمه الله تعالى ـ وهو تحقيق نفيس جدا. اهـ.

وهذا التفصيل في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله هو الذي قرره المحققون من أهل العلم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة النبوية: لاريب أن من لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله على رسوله فهو كافر، فمن استحل أن يحكم بين الناس بما يراه هو عدلا من غير اتباع لما أنزل الله فهو كافر... فإن كثيرا من الناس أسلموا، ولكن مع هذا لا يحكمون إلا بالعادات الجارية لهم التي يأمر بها المطاعون، فهؤلاء إذا عرفوا أنه لا يجوز الحكم إلا بما أنزل الله فلم يلتزموا ذلك، بل استحلوا أن يحكموا بخلاف ما أنزل الله فهم كفار، وإلا كانوا جهالا، كمن تقدم أمرهم، وقد أمر الله المسلمين كلهم إذا تنازعوا في شيء أن يردوه إلى الله والرسول، فقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا {سورة النساء 59} وقال تعالى: فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما {سورة النساء 65} فمن لم يلتزم تحكيم الله ورسوله فيما شجر بينهم فقد أقسم الله بنفسه أنه لا يؤمن، وأما من كان ملتزما لحكم الله ورسوله باطنا وظاهرا، لكن عصى واتبع هواه، فهذا بمنزلة أمثاله من العصاة، وهذه الآية مما يحتج بها الخوارج على تكفير ولاة الأمر الذين لا يحكمون بما أنزل الله، ثم يزعمون أن اعتقادهم هو حكم الله، وقد تكلم الناس بما يطول ذكره هنا، وما ذكرته يدل عليه سياق الآية. اهـ.

وقال ابن القيم في مدارج السالكين: هذا تأويل ابن عباس وعامة الصحابة في قوله تعالى: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون {المائدة: 44} قال ابن عباس: ليس بكفر ينقل عن الملة، بل إذا فعله فهو به كفر، وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر، وكذلك قال طاووس، وقال عطاء: هو كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق، ومنهم من تأول الآية على ترك الحكم بما أنزل الله جاحدا له، وهو قول عكرمة، وهو تأويل مرجوح، فإن نفس جحوده كفر، سواء حكم أو لم يحكم، ومنهم من تأولها على ترك الحكم بجميع ما أنزل الله، قال: ويدخل في ذلك الحكم بالتوحيد والإسلام، وهذا تأويل عبد العزيز الكناني، وهو أيضا بعيد، إذ الوعيد على نفي الحكم بالمنزل، وهو يتناول تعطيل الحكم بجميعه وببعضه، ومنهم من تأولها على الحكم بمخالفة النص، تعمدا من غير جهل به ولا خطأ في التأويل، حكاه البغوي عن العلماء عموما، ومنهم من تأولها على أهل الكتاب، وهو قول قتادة، والضحاك وغيرهما، وهو بعيد، وهو خلاف ظاهر اللفظ، فلا يصار إليه، ومنهم من جعله كفرا ينقل عن الملة، والصحيح أن الحكم بغير ما أنزل الله يتناول الكفرين، الأصغر والأكبر، بحسب حال الحاكم، فإنه إن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله في هذه الواقعة، وعدل عنه عصيانا، مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة، فهذا كفر أصغر، وإن اعتقد أنه غير واجب، وأنه مخير فيه، مع تيقنه أنه حكم الله، فهذا كفر أكبر، وإن جهله وأخطأه فهذا مخطئ، له حكم المخطئين. اهـ.

وسئل الشيخ ابن باز: هل تبديل القوانين يعتبر كفرا مخرجا من الملة؟ فأجاب: إذا استباحها، فحكم بقانون غير الشريعة، يكون كافرا كفرا أكبر، أما إذا فعل ذلك لأسباب خاصة كان عاصيا لله من أجل الرشوة، أو من أجل إرضاء فلان، وهو يعلم أنه محرم يكون كفرا دون كفر، أما إذا فعله مستحلا له، يكون كفرا أكبر، كما قال ابن عباس في قول: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ. اهـ.

وانظر للفائدة الفتويين رقم: 23976، ورقم: 202564.

والله أعلم.