علي أيمان مختلفة، نسيت عددها ربما خمسة عشر يمينا، ولم أكفر عنها من قبل، وقد كفرت بصيام 3 أيام قبل رمضان، وأنا عاجز عن الإطعام، وقلتم إن الذي نسي عدد الأيمان فعليه أن يكفر عن كل يمين على ما يغلب على ظنه، وقرأت بأن كلام الجمهور عن الأيمان المختلفة بالكفارة بعددها مثال: والله لا آكل، والله لا أشرب، وحنث فيها تعتبر كفارتين، ولا أستطيع فعل ذلك، لأن فيها مشقة علي، ولم أقصر أبداً، وطبقت القول الراجح للإمام أحمد عن كفارة الأيمان المختلفة، لأنها أيسر لي من قول الجمهور، وبما أنني حنبلي فقد فعلت الراجح، فما هو الآتي من فتوى رقم: 155637، وقيل يكفر كفارة واحدة عن الجميع ما لم يكفر عن إحداها من قبل, والراجح من مذهب الإمام أحمد إجزاء كفارة واحدة عن الجميع ما لم يخرج كفارة عن الأولى ـ وهذا الراجح الذي طبقته، فهل معناها أنني كفرت عن أيماني كلها؟ علماً بأنني عرفت راجح قول الإمام أحمد في صيام اليوم الثالث؟.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

ففي مذهب الإمام أحمد قولان في مسألة من حلف أيمانا متعددة على أجناس مختلفة، وحنث فيها جميعا ولم يكفر عن شيء منها، والذي عليه المذهب ونص عليه الأكثر: أنه تجزئه في ذلك كفارة واحدة، قال ابن مفلح في الفروع: من لزمته أيمان قبل التكفير، فكفارة، اختاره الأكثر، وذكر أبو بكر أن أحمد رجع عن غيره، وعنه: لكل يمين كفارة كما لو اختلف موجبها، كيمين وظهار، وعنه: إن كانت على أفعال، نحو: والله لا قمت، والله لا قعدت، كما لو كفر عن الْأَوِّلَةِ، وإلا كفارة، كوالله لا قمت، والله لا قمت. اهـ.
وقال المرداوي في الإنصاف: قوله: ومن كرر أيمانا قبل التكفير: فعليه كفارة واحدة ـ يعني: إذا كان موجبها واحدا، وهو المذهب، وعليه جماهير الأصحاب، منهم القاضي، وذكر أبو بكر: أن الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ رجع عن غيره، قال في الفروع: اختاره الأكثر، وجزم به في الوجيز وغيره، وقدمه في المحرر، والنظم، والرعايتين، والحاوي الصغير، والفروع، والهداية والمذهب، والمستوعب، والخلاصة وغيرهم، قال ناظم المفردات: هذا الأشهر، وهو من مفردات المذهب، وعنه: لكل يمين كفارة، كما لو اختلف موجبها، ومحل الخلاف: إذا لم يكفر، أما إن كفر بحنثه في أحدها، ثم حنث في غيرها: فعليه كفارة ثانية بلا ريب. اهـ.

وبهذا يتبين للسائل صحة نسبة هذا القول للمعتمد من مذهب الحنابلة، ولا حرج على السائل أن يعمل به مادام مقلدا للمذهب الحنبلي، وإن كان الراجح عندنا خلافه، وهو قول أكثر أهل العلم وهو الذي نصره ابن قدامة في المغني حيث تعرض للمسألة، فقال: إن حلف أيمانا على أجناس، فقال: والله لا أكلت، والله لا شربت، والله لا لبست، فحنث في واحدة منها، فعليه كفارة، فإن أخرجها ثم حنث في يمين أخرى لزمته كفارة أخرى، لا نعلم في هذا أيضا خلافا، لأن الحنث في الثانية تجب به الكفارة بعد أن كفر عن الأولى، فأشبه ما لو وطئ في رمضان فكفر، ثم وطئ مرة أخرى، وإن حنث في الجميع قبل التكفير، فعليه في كل يمين كفارة، هذا ظاهر كلام الخرقي، ورواه المروذي عن أحمد، وهو قول أكثر أهل العلم، وقال أبو بكر: تجزئه كفارة واحدة، ورواها ابن منصور عن أحمد، قال القاضي: وهي الصحيحة، وقال أبو بكر: ما نقله المروذي عن أحمد قول لأبي عبد الله، ومذهبه أن كفارة واحدة تجزئه، وهو قول إسحاق، لأنها كفارات من جنس، فتداخلت، كالحدود من جنس، وإن اختلفت محالها، بأن يسرق من جماعة، أو يزني بنساء، ولنا، أنهن أيمان لا يحنث في إحداهن بالحنث في الأخرى، فلم تتكفر إحداهما بكفارة الأخرى، كما لو كفر عن إحداهما قبل الحنث في الأخرى، وكالأيمان المختلفة الكفارة، وبهذا فارق الأيمان على شيء واحد، فإنه متى حنث في إحداهما كان حانثا في الأخرى، فإن كان الحنث واحدا، كانت الكفارة واحدة، وها هنا تعدد الحنث، فتعددت الكفارات، وفارق الحدود، فإنها وجبت للزجر، وتندرئ بالشبهات، بخلاف مسألتنا، ولأن الحدود عقوبة بدنية، فالموالاة بينها ربما أفضت إلى التلف، فاجتزئ بأحدها، وها هنا الواجب إخراج مال يسير، أو صيام ثلاثة أيام، فلا يلزم الضرر الكثير بالموالاة فيه، ولا يخشى منه التلف. اهـ.

وقال ابن حزم في المحلى: من حلف أيمانا على أشياء كثيرة على كل شيء منها يمين، مثل: والله لا أكلت اليوم، ووالله لا كلمت زيدا، ووالله لا دخلت داره، أو نحو هذا، فهي أيمان كثيرة إن حنث في شيء منها فعليه كفارة، فإن عمل آخر فكفارة أخرى، فإن عمل ثالثا فكفارة ثالثة، وهكذا ما زاد، لأنها أيمان متغايرة، وأفعال متغايرة، وأحناث متغايرة، إن حنث في يمين لم يحنث بذلك في أخرى بلا شك، فلكل يمين حكمها. اهـ.

والله أعلم.