رجل أصر ـ عنادا ومغايظة لغيره ـ على جحود صفة العلو لله تعالى، وأنه في السماء، بعد طول نقاش وقيام الحجة الواضحة عليه من القرآن والسنة، فكفر بذلك، ثم بعدها بمدة قال: إنه مقتنع بالكلام والأدلة وأن الله استوى على العرش، وأن القرآن حق، ونطق الشهادتين، وأن هذه المسألة ليست من الضروري عليه معرفتها ليدخل الدين ويصح إسلامه؛ بدليل حديث الذي قتله أسامة، وقال قلت ما قلت عنادا ومغايظة بسبب كذا، ثم رأيته يصلي ركعتين، فهل يكفي هذا للحكم بإسلامه والصلاة خلفه، أم لابد من الإقرار صراحة بما جحده والكفر بما كان يعتقده من الكفر؟

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد: 

فأهم مما سأل عنه السائل أن نلفت نظره إلى أن الحكم على القول يختلف عن الحكم على القائل، فقد يكون القول كفرا، ولا يكفر قائله لمكان الشبهة ووجود المانع أو فوات الشرط، ولهذا لما قرر شيخ الإسلام ابن تيمية صفة العلو لله سبحانه، وأنها كانت عند علماء السلف من المعلوم بالضرورة من الدين، والثابت بالتواتر من نصوصه كتابا وسنة، والمطبق على كفر منكرها لظهور أدلتها وكونها معلومة عندهم، إلا أن مثل هذه الأمور المعلومة عند السلف قد لا تكون كذلك عند بعض الناس فلا يتحقق عندئذ مناط التكفير، قال شيخ الإسلام في درء تعارض العقل والنقل: القول بأن الله تعالى فوق العالم معلوم بالاضطرار من الكتاب والسنة، وإجماع سلف الأمة بعد تدبر ذلك، كالعلم بالأكل والشرب في الجنة، والعلم بإرسال الرسل وإنزال الكتب، والعلم بأن الله بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، والعلم بأنه خلق السماوات والأرض وما بينهما، بل نصوص العلو قد قيل: إنها تبلغ مئين من المواضع، والأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين متواترة موافقة لذلك... ولهذا كان السلف مطبقين على تكفير من أنكر ذلك، لأنه عندهم معلوم بالاضطرار من الدين، والأمور المعلومة بالضرورة عند السلف والأئمة وعلماء الدين قد لا تكون معلومة لبعض الناس... ومعلوم أن أئمة الجهمية النفاة والمعتزلة وأمثالهم، من أبعد الناس عن العلم بمعاني القرآن والأخبار وأقوال السلف، وتجد أئمتهم من أبعد الناس عن الاستدلال بالكتاب والسنة، وإنما عمدتهم في الشرعيات على ما يظنونه إجماعاً، مع كثرة خطئهم فيما يظنونه إجماعاً، وليس بإجماع، وعمدتهم في أصول الدين على ما يظنونه عقليات، وهي جهليات. اهـ.

ثم فصَّل بعد ذلك في ذكر أنواع النفاة ممن له معرفة بما جاء عن الرسول، وأقوال السلف في التفسير وأصول الدين، وما هي أسباب وقوعهم في نفي الصفات الثابتة لله تعالى، والمقصود أن إنكار صفة العلو وإن كان كفرا، إلا أن المنكر لا يحكم بكفره لمكان الجهل والتأويل وغير ذلك من موانع التكفير، حتى تزال عنه الشبهة، وتقام عليه الحجة ممن يحسن ذلك.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: من ثبت إيمانه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة. اهـ.
وقال أيضا: الشخص المعين الذي ثبت إيمانه لا يحكم بكفره إن لم تقم عليه حجة يكفر بمخالفتها، وإن كان القول كفرا في نفس الأمر بحيث يكفر بجحوده إذا علم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قاله. اهـ.

وراجع الفتوى رقم: 230905، وما أحيل عليه فيها.

ولذلك، فإنه ينبغي للسائل أن تتوجه عنايته لبيان الحق وتزييف الباطل بأفضل الطرق وأقربها للقبول، ولا يكن همه الحكم بالكفر على المخالف، فإن هذا يحتاج إلى رسوخ في العلم، ومعرفة بأحوال الناس، وراجع في ذلك الفتوى رقم:  266185.

وأما بالنسبة لخصوص : فإنه على افتراض أن هذا الرجل قد أزيلت عنه الشبهة، وأقيمت عليه الحجة التي يكفر مخالفها، فإنه يكفي للحكم بإسلامه ما ذكر من التصريح بأنه مقتنع بالكلام والأدلة، وأن الله مستو على عرشه، وأن القرآن حق، والنطق بالشهادتين وصلاة ركعتين! وبذلك تصح الصلاة خلفه، وانظر للفائدة الفتوى رقم: 206011.

وراجع كذلك جوابنا على سؤال سابق ورد منك رقمه: 353602.

والله أعلم.