هل صح عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسجد للسهو سواء كان عن زيادة أو نقص في آخر حياته قبل السلام؟

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فلم نقف على قول لأهل العلم يفيد صحة نسبة القول المذكور لابن عباس, لكن هذا القول منسوب للزهري, وقد ناقش هذه المسألة شيخ الإسلام ابن تيمية نقاشا مستفيضا في مجموع الفتاوى، وتعرض لما جاء عن الزهري وفنده, وكان من ضمن كلامه: بل الصواب أن السجود بعضه قبل السلام وبعضه بعده، كما ثبتت بذلك الأحاديث الصحيحة، ومن قال: كله قبل السلام، واحتج بحديث الزهري كان آخر الأمرين السجود قبل السلام، فقد ادعى النسخ، وهو ضعيف، فإن السجود بعد السلام في حديث ذي اليدين، فمالك والشافعي والجمهور يقولون: إنه ليس بمنسوخ وإنما يقول: إنه منسوخ من يحتج بقول الزهري: إن ذي اليدين مات قبل بدر وإن هذه القصة كانت متقدمة، فقول الزهري بنسخه مبني على هذا وهو ضعيف، فإن أبا هريرة صلى خلف النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ذي اليدين، وإنما أسلم عام خيبر، فالذين يحتجون بقول الزهري هنا قد ردوا قوله بالنسخ هناك، والذين يقولون بنسخ حديث ذي اليدين هم يأمرون بالسجود بعد السلام فكل من الطائفتين ادعت نسخ الحديث فيما يخالف قولها بلا حجة، والحديث محكم في أن الصلاة لا تبطل، وفي أنه يسجد بعد السلام ليس لواحد منهما عن النبي صلى الله عليه وسلم معارض ينسخه، وأيضا فالنسخ إنما يكون بما يناقض المنسوخ، والنبي صلى الله عليه وسلم سجد بعد السلام ولم ينقل مسلم أنه نهى عن ذلك، فبطل النسخ. انتهي

والمنقول عن ابن عباس قولان في هذه المسألة؛ قول بأن سجود السهو كله قبل السلام, وقول بأنه بعد السلام, يقول الشوكاني في نيل الأوطار: وقد اختلف أهل العلم في ذلك على ثمانية أقوال كما ذكر ذلك العراقي في شرح الترمذي: الأول: أن سجود السهو كله محله بعد السلام، وقد ذهب إلى ذلك جماعة من الصحابة، وهم علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص، وروي أيضا عن ابن عباس ومعاوية وعبد الله بن الزبير على خلاف في ذلك عنهم.

القول الثاني: أن سجود السهو كله قبل السلام، وقد ذهب إلى ذلك من الصحابة أبو سعيد الخدري، وروي أيضا عن ابن عباس... إلى آخر كلامه.

والله أعلم.