أحيانًا أجلس في وسائل المواصلات العامة بجوار أنثى، فأقوم من جانبها وأجلس في مكان آخر، فأشعر بالراحة والطمأنينة، وفي مرات أخرى أشعر بالصراع الداخلي، وأقول لنفسي: لماذا قمت من جانبها، فهي فرصة عظيمة للتمتع بالتلامس معها، أو النظر إليها، والشعور بلذة؟ فما سر ذلك في الحالتين؟

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

فقد سبق بيان حرمة جلوس الرجل بجوار الأجنبية عنه إن كانت هناك مماسة بينهما، أو خشيت الفتنة من الجلوس، وانظر لمزيد بيان الفتويين رقم: 133641، رقم: 247912، وإحالاتهما.

وأما عما تجده في نفسك من الراحة والطمأنينة عند ترك المحرم: فنرجو أن يكون من ثواب طاعة الله، فإن البعد عن المحرمات ابتغاء مرضاة الله يعوض الله به العبد لذة وطمأنينة به سبحانه، قال ابن القيم: فائدة جليلة: إنما يجد المشقة في ترك المألوفات والعوائد من تركها لغير الله، فأما من تركها صادقًا مخلصًا من قلبه لله، فإنه لا يجد في تركها مشقة إلا في أول وهلة؛ ليمتحن أصادق هو في تركها أم كاذب، فإن صبر على تلك المشقة قليلًا استحالت لذة، قال ابن سيرين: سمعت شريحًا يحلف بالله ما ترك عبد لله شيئًا فوجد فقده، وقولهم: من ترك لله شيئًا عوضه الله خيرًا منه، حق، والعوض أنواع مختلفة، وأجل ما يعوض به: الأنس بالله، ومحبته، وطمأنينة القلب به، وقوته، ونشاطه، وفرحه، ورضاه عن ربه تعالى .اهـ.

وأما ما ذكرته بقولك: في مرات أخرى أشعر بالصراع الداخلي، وأقول لنفسي: لماذا قمت من جانبها؟ فهي فرصة عظيمة للتمتع بالتلامس معها، أو النظر إليها، والشعور بلذة ـ فلعلها من نزغات الشيطان، وأهواء النفس الأمارة بالسوء، وينغي لك أن تستعيذ بالله إن عرضت لك هذه الخواطر، كما قال تعالى: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ {فصلت:36}.

وأن تجاهد نفسك، وتقهرها، وألا تستجيب لتزيينها للمعصية، ونسوق لك كلامًا نفيسًا لابن القيم في خطر الاسترسال مع الخواطر الرديئة، وبيان السبل التي تدفع بها، قال في طريق الهجرتين: قاعدة: في ذكر طريق يوصل إلى الاستقامة في الأحوال، والأقوال، والأعمال، وهي شيئان:

أحدهما: حراسة الخواطر وحفظها، والحذر من إهمالها، والاسترسال معها، فإن أصل الفساد كله من قبلها يجيء؛ لأنها هي بذر الشيطان، والنفس في أَرض القلب، فإذا تمكن بذرها تعاهدها الشيطان بسقيه مرة بعد أخرى حتى تصير إرادات، ثم يسقيها حتى تكون عزائم، ثم لا يزال بها حتى تثمر الأَعمال، ولا ريب أن دفع الخواطر أَيسر من دفع الإِرادات والعزائم، فيجد العبد نفسه عاجزًا، أو كالعاجز عن دفعها بعد أن صارت إرادة جازمة، وهو المفرط إذا لم يدفعها، وهي خاطر ضعيف، كمن تهاون بشرارة من نار وقعت في حطب يابس، فلما تمكنت منه عجز عن إطفائها، فإن قلت: فما الطريق إلى حفظ الخواطر؟ قلت: أسباب عدة:

أحدها: العلم الجازم باطلاع الرب تعالى، ونظره إلى قلبك، وعلمه بتفصيل خواطرك.

الثاني: حياؤك منه.

الثالث: إجلالك له أن يرى مثل تلك الخواطر في بيته الذي خلقه لمعرفته، ومحبته.

الرابع: خوفك منه أن تسقط من عينه بتلك الخواطر.

الخامس: إيثارك له أن تساكن قلبك غير محبته.

السادس: خشيتك أن تتولد تلك الخواطر، ويستعر شرارها، فتأْكل ما في القلب من الإيمان ومحبة الله، فتذهب به جملة وأنت لا تشعر.

السابع: أن تعلم أن تلك الخواطر بمنزلة الحب الذي يلقى للطائر ليصاد به، فاعلم أن كل خاطر منها فهو حبة في فخ منصوب لصيدك وأنت لا تشعر.

الثامن: أن تعلم أن تلك الخواطر الرديئة لا تجتمع هي وخواطر الإيمان، ودواعي المحبة والإنابة أصلًا، بل هي ضدها من كل وجه، وما اجتمعا في قلب إلا وغلب أحدهما صاحبه، وأخرجه، واستوطن مكانه، فما الظن بقلب غلبت خواطر النفس والشيطان فيه خواطر الإيمان والمعرفة والمحبة، فأَخرجتها، واستوطنت مكانها؟ لكن لو كان للقلب حياة لشعر بألم ذلك، وأحس بمصابه.

التاسع: أن يعلم أن تلك الخواطر بحر من بحور الخيال لا ساحل له، فإذا دخل القلب في غمراته غرق فيه، وتاه في ظلماته، فيطلب الخلاص منه، فلا يجد إليه سبيلًا، فقلب تملكه الخواطر بعيد من الفلاح، معذب، مشغول بما لا يفيد.

العاشر: أن تلك الخواطر هي وادي الحمقى، وأَماني الجاهلين، فلا تثمر لصاحبها إلا الندامة والخزي، وإذا غلبت على القلب أورثته الوساوس، وعزلته عن سلطانها، وأفسدت عليه رعيته، وأَلقته في الأسر الطويل. اهـ.

 والله أعلم.