الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

 فإن السرقة في الشرع -كما عرفها الحجاوي من فقهاء الحنابلة- هي: أخذ مال محترم، لغيره، وإخراجه من حرز مثله، لا شبهة فيه، على وجه الاختفاء. اهـ.

فمن دخل بيتا، وقبض عليه قبل أن يأخذ شيئا، فلا يعتبر سارقا في الشرع، ولا يقام عليه حد السرقة، وإنما يعاقبه القاضي بالتعزير على ما ارتكبه من معصية الله -وهو دخول بيت الغير دون إذنه- وهذا الصنيع يسمى في العرف القانوني المعاصر بالشروع في الجريمة، والشروع في المحرمات الموجبة للحدود دون إتمامها لا يستوجب إقامة الحد شرعا، وإنما فيه التعزير إن كان فيه ارتكاب لمحرم، شأنه في ذلك شأن كل معصية لا حد فيها، ولا كفارة.

جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية: من المقرر في الشرع الإسلامي: أن كل معصية ينجم عنها عدوان على حق إنسان، أو على حق الأمة؛ فإن مرتكبها يخضع للحد، أو للتعزير، أو للكفارة، وحيث إن الحدود والكفارات محددة شرعا، فكل معصية لا حَدَّ فيها ولا كفارة يمكن أن يعاقب مرتكبها على وجه التعزير باعتبار أنه أتى جريمة كاملة، بغض النظر عن كون فعله يعتبر شروعا في جريمة أخرى. وعلى ذلك جمهور الفقهاء، فإنهم يمنعون إقامة الحد إذا لم تتم السرقة، ولكنهم يوجبون التعزير على من يبدأ في الأفعال التي تكون بمجموعها جريمة السرقة. ليس باعتباره شارعا في السرقة، ولكن باعتباره مرتكبا لمعصية تستوجب التعزير.

وقد روي عن عمرو بن شعيب: أن سارقا نقب خزانة المطلب بن أبي وداعة، فوجد بها، قد جمع المتاع، ولم يخرج به. فأتي به إلى ابن الزبير، فجلده، وأمر به أن يقطع. فمر بابن عمر، فسأل فأخبر، فأتى ابن الزبير، فقال: أمرت به أن يقطع؟ فقال: نعم، فقال: فما شأن الجلد؟ قال: غضبت، فقال ابن عمر: ليس عليه قطع حتى يخرج من البيت، أرأيت لو رأيت رجلا بين رجلي امرأة لم يصبها، أأنت حاده؟ قال: لا . وجمهور الفقهاء: على أن الشروع في السرقة ليس له عقوبة مقدرة، وإنما تطبق فيه القواعد العامة للتعزير. اهـ.
 وقال الدكتور عبد القادر عودة: لم يهتم فقهاء الشريعة بوضع نظرية خاصة للشروع في الجرائم، ولم يعرفوا لفظ الشروع بمعناه الفني كما نعرفه اليوم، ولكنهم اهتموا بالتفريق بين الجرائم التامة، والجرائم غير التامة، ويمكننا أن نرد عدم اهتمامهم بوضع نظرية خاصة بالشروع لسببين:

أولهما: أن الشروع في الجرائم لا يعاقب عليه بقصاص، ولا حد، وإنما يعاقب عليه بالتعزير أياً كان نوع الجريمة. وقد جرى الفقهاء على أن يهتموا فقط بجرائم الحدود والقصاص؛ لأنها جرائم ثابتة لا يدخل على أركانها وشروطها التغيير أو التعديل، كما أن عقوبتها مقدرة، ليس للقاضي أن يغلظها أو يخففها، أما جرائم التعزير، فإن معظم الجرائم التعزيرية متروك أمرها للسلطة التشريعية أي لأولي الأمر.

ثانيهما: أن قواعد الشريعة الموضوعة للتعازير، منعت من وضع قواعد خاصة للشروع في الجرائم؛ لأن قواعد التعازير كافية لحكم جرائم الشروع. فالقاعدة في الشريعة أن التعزير يكون في كل معصية ليس فيها حد مقدر، ولا كفارة. فالسارق إذا ما نقب البيت، ثم ضبط قبل أن يدخله يكون مرتكباً لمعصية تستوجب العقاب، وهذه المعصية تعتبر في ذاتها جريمة تامة -ولو أنها بدء في تنفيذ جريمة السرقة- وعندما يتسلق السارق المنزل الذي يريد أن يسرق منه، يرتكب معصية، وعندما يدخل البيت دون نقب أو تسلق بقصد السرقة، يرتكب معصية، وهكذا كلما أتى السارق فعلاً تحرمه عليه الشريعة، فهو مرتكب لمعصية؛ أي جريمة تامة تستوجب العقاب، إذا نظرنا إليها على حدة، ولو أن هذه المعصية تعتبر جزءًا من جريمة أخرى، إذا نظرنا إلى جريمة السرقة التي لم تتم، فإذا أتم الجاني سلسلة الأفعال المكونة لجريمة السرقة، وخرج بالمسروقات من الحرز، فإن كل الأفعال التي أتاها تكون مجتمعة جريمة معينة هي السرقة، وبتمام جريمة السرقة تجب عقوبة الحد، وهي العقوبة المقررة للسرقة التامة، ويمتنع التعزير على ما دون التمام؛ لأن كل الأفعال اندمجت، وتكونت منها جريمة السرقة .اهـ. باختصار من التشريع الجنائي الإسلامي.

وأما يتعلق بنصاب القطع في السرقة، فقد بينا أقوال العلماء فيه، في الفتوى رقم: 71704، والنصاب على جميع الأقوال ثابت لا يتغير، وإنما تختلف قيمة هذا النصاب، تبعا لاختلاف قيم المسروقات بالنسبة للذهب أو الفضة.

والله أعلم.