الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

 فإذا كان المدين معسرًا، فلا شك في أن إسقاط الدين عنه من أفضل الصدقات، وقد قال الله عز وجل: وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ {البقرة:280}. فسمى الله سبحانه إبراء المعسر، والوضع عنه، صدقة.

قال أبو الفداء بن كثير في تفسيره: ثم يندب إلى الوضع عنه، ويعد على ذلك الخير والثواب الجزيل، فقال: وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. أي: وأن تتركوا رأس المال بالكلية، وتضعوه عن المدين. وقد وردت الأحاديث من طرق متعددة عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك. اهـ. هذا فيما يخص الشق الأول من السؤال.

أما عن الشق الثاني: فقد تقدم في الفتوى رقم: 274918 وإحالاتها، بيان ما يجب على من يئس من إيصال الحق لصاحبه، وأنه يتصدق به عنه.

وعليه؛ فإذا كان عليك حق لشخص لم تستطع الحصول عليه بكل الوسائل الممكنة، فإنك تتصدق به عنه، كما هو مبين في الفتاوى المحال عليها.

أما كونك تسقط ما لك من دين على هذا الشخص، مقابل ما عليك من حق ميؤوس من صاحبه، فالذي يظهر لنا -والعلم عند الله- أن ذلك لا يجزئ على نحو ما ذكره الجمهور، في عدم إجزاء نحو ذلك في الزكاة، معللين بأن ذلك صرف إِلَى نَفْعِ نَفْسِهِ، أَوْ إِحْيَاءِ مَالِهِ، وَاسْتِيفَاءِ دَيْنِهِ، ومن ثم؛ فليس لك  اعتبار إسقاط الدين صدقة عن الحق الثابت في ذمتك للغير، جاء في التاج والإكليل للمواق قال: ... في المدونة قال مالك: من كان له دين على فقير، فلا يعجبني أن يحسبه عليه في زكاته. قال غيره عنه: لأنه تاوٍ لا قيمة له، أو له قيمة دونٍ. اهـ. 

وعلى هذا؛ فأجر الصدقة به لا يكون مثل أجر الصدقة بغيره مما ليس كذلك، فتصدق بحق صاحب الحق صدقة تامة، لا دون فيها.

والله أعلم.