الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فإن الشرع قد جاء بالزجر عن سوء الظن بالمسلم الذي لم تظهر منه ريبة، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ {الحجرات:12}.

قال القرطبي في تفسيره: ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تناجشوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا ـ لفظ البخاري، قال علماؤنا: فالظن هنا وفي الآية هو التهمة، ومحل التحذير والنهي إنما هو تهمة لا سبب لها يوجبها، كمن يتهم بالفاحشة أو بشرب الخمر مثلا ولم يظهر عليه ما يقتضي ذلك، ودليل كون الظن هنا بمعنى التهمة قول تعالى: ولا تجسسوا ـ وذلك أنه قد يقع له خاطر التهمة ابتداء ويريد أن يتجسس خبر ذلك ويبحث عنه، ويتبصر ويستمع لتحقق ما وقع له من تلك التهمة، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وإن شئت قلت: والذي يميز الظنون التي يجب اجتنابها عما سواها، أن كل ما لم تعرف له أمارة صحيحة وسبب ظاهر كان حراما واجب الاجتناب، وذلك إذا كان المظنون به ممن شوهد منه الستر والصلاح، وأونست منه الأمانة في الظاهر، فظن الفساد به والخيانة محرم بخلاف من اشتهره الناس بتعاطي الريب والمجاهرة بالخبائث، وعن النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله حرم من المسلم دمه وعرضه وأن يظن به ظن السوء ـ وعن الحسن: كنا في زمن الظن بالناس فيه حرام، وأنت اليوم في زمن اعمل واسكت وظن في الناس ما شئت. اهـ.

والظن المحرم هو ما عقد عليه قلب الظانِّ واستقر فيه ـ ولو لم يتكلم أو يعمل به ـ  دون ما كان مجرد خواطر وهواجس لا تستقر في قلب، قال النووي في شرح حديث أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث ـ متفق عليه: المراد النهي عن ظن السوء، قال الخطابي: هو تحقيق الظن وتصديقه دون ما يهجس في النفس، فإن ذلك لا يملك ـ ومراد الخطابي أن المحرم من الظن ما يستمر صاحبه عليه ويستقر في قلبه دون ما يعرض في القلب ولا يستقر، فإن هذا لا يكلف به، كما سبق في حديث تجاوز الله تعالى عما تحدثت به الأمة ما لم تتكلم أو تعمد وسبق تأويله على الخواطر التي لا تستقر، ونقل القاضي عن سفيان أنه قال: الظن الذي يأثم به هو ما ظنه وتكلم به، فإن لم يتكلم لم يأثم. اهـ.

وإن كان قد روي عن بعض السلف ما ظاهره أن سوء الظن لا يؤاخذ به ما لم يترتب قول أو فعل، لكنه متأول على ما لا يمكن دفعه، قال ابن رجب: قد روي عن سفيان أنه قال في سوء الظن: إذا لم يترتب عليه قول أو فعل، فهو معفو عنه ـ وكذلك روي عن الحسن أنه قال في الحسد: ولعل هذا محمول من قولهما على ما يجده الإنسان، ولا يمكنه دفعه، فهو يكرهه ويدفعه عن نفسه، فلا يندفع لا على ما يساكنه، ويستروح إليه، ويعيد حديث نفسه به ويبديه. اهـ.

فإن كان ظنك السيئ قد وقر في قلبك ولم يكن مجرد خاطر عابر، وكان من ظننت به السوء لم يبد منه ما يوجب ذلك، فقد وقعت في سوء الظن المحرم ـ ولو لم تتكلمي بذلك ـ وتجب التوبة إلى الله عز وجل، وانظري الفتوى رقم: 143707.
 

وأما طريق التخلص من ظن السوء: فقد بيناه في الفتوى رقم: 111326.

ونحيلك كذلك إلى جواب في قسم الاستشارات بعنوان: سوء الظن في الآخرين وكيفية التخلص منه ـ على هذا الرابط:

http://consult.islamweb.net/consult/index.php?page=Details&id=254158

والله أعلم.