مسألة لها ثلاث صور: الصورة الأولى: رجل سيخرج لأداء الصلاة في المسجد وعنده حاجة في طريقه إلى المسجد يريد أن يقضيها أثناء ذهابه قبل الصلاة ثم يذهب إلى المسجد. الصورة الثانية: رجل سيخرج لأداء الصلاة في المسجد وعنده حاجة يريد أن يقضيها بعد الصلاة، فهل له أن يصلي في المسجد ثم يذهب لقضاء حاجته مباشرة؟ أم عليه أن يعود إلى منزله أولا ثم يذهب لقضاء حاجته؟. الصورة الثالثة: رجل سيذهب للصلاة في مسجد معين بعيد عنه لأن لديه مصلحة أو حاجة إما في المسجد نفسه: كصلاة جنازة أو درس علم أو مقابلة رجل ـ أو بجوار المسجد كمكان بجوار المسجد سيذهب إليه. علما بأنه في كل الصور كان سيخرج لأداء الصلاة في المسجد حتى لو لم توجد الحاجة، فما حكم كل صورة؟ أطلب سرد أي خلاف إن وجد وآراء العلماء بأدلتها. وجزاكم الله خيرا.

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد: 

فكل هذه الصور لا بأس على صاحبها، طالما لا يريد بصلاته وإتيانه المسجد إلا وجه الله تعالى، ويكتب له أجر صلاة الجماعة وسعيه إليها من حيث الأصل، وأما من حيث كمال الأجر وتمامه، ففي ذلك حديث أبي هريرة مرفوعا: إن أحدكم إذا توضأ فأحسن وأتى المسجد، لا يريد إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفعه الله بها درجة، وحط عنه خطيئة، حتى يدخل المسجد....
وفي رواية: صلاة أحدكم في جماعة، تزيد على صلاته في سوقه وبيته بضعا وعشرين درجة، وذلك بأنه إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى المسجد لا يريد إلا الصلاة، لا ينهزه إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفع بها درجة، أو حطت عنه بها خطيئة... الحديث.

وفي رواية: ثم خرج إلى المسجد، لا يخرجه إلا الصلاة، لم يخط خطوة... الحديث متفق عليه.

والشاهد منه هنا قوله: لا يريد إلا الصلاة، أو: لا يخرجه إلا الصلاة ـ فهل المراد به ألا يريد المرء بخروجه من بيته إلا الصلاة، بمعنى تجريد نية الخروج من البيت وقصرها على السعي إلى الصلاة؟ أم المراد ألا يريد بمجيئه إلى المسجد إلا الصلاة، بمعنى تجريد نية إتيان المسجد وقصرها على فعل الصلاة وما هو من جنسها من أنواع العبادات والقربات؟
فعلى الاحتمال الأول لا يتحقق المراد إن خرج من بيته لأجل الصلاة ولأجل قضاء حاجة دنيوية معها، وأما على الاحتمال الثاني فيتحقق المراد وإن كان كذلك، طالما أنه لم يأت المسجد إلا لأجل الصلاة، والذي عليه أكثر شراح الحديث يفيد الاحتمال الأول، فقد ذكر ابن رجب في شرح صحيح البخاري قيدين لحصول هذا الأجر الخاص، فقال:
أحدهما: أن يخرج من بيته عَلَى طهرٍ قَدْ أحسنه وأكمله.
والثاني: ألا يخرج إلا إلى الصلاة فِي المسجد، فلو خرج لحاجة لَهُ وكان المسجد فِي طريقه فدخل المسجد فصلى ولم يكن خروجه لذلك لَمْ يحصل لَهُ هَذَا الأجر الخاص، وكذلك لَوْ خرج من بيته غير متطهر، لكنه يكتب لَهُ بذلك أجر، غير أن هَذَا الأجر الخاص ـ وهو رفع الدرجات وتكفير السيئات ـ لا يحصل بذلك. اهـ.

وقال الفاكهاني في شرح عمدة الأحكام: قوله عليه الصلاة والسلام: لا يخرجه إلا الصلاة ـ ظاهره أو نصه اشتراط الخروج للصلاة، لا لأمر زائد عليها، حتى لو خرج لها، ولأمر آخر من غير العبادات، لم يحصل له رفع الدرجات، ولا حط الخطيئات، ونظيره حج من يخلط الحج بالتجارة أو غيرها من الأسباب الدنيوية، فإنه ليس كمن محض الخروج للحج وكذلك الجهاد، وسائر العبادات. اهـ.

وقال المُظْهِري في شرح المصابيح: لا يخرجه إلا الصلاة ـ يعني: لا يخرج من بيته إلى المسجد إلا للصلاة، لا لشُغلٍ آخر. اهـ.

وذكر القاري في المرقاة نحو ذلك.

وقال المناوي في التنوير شرح الجامع الصغير: لو خرج قاصدا لها ـ يعني الصلاة ـ ولأمر آخر من عيادة المريض وقضاء حاجة وتدريس، فليس له على صلاته هذا الأجر. اهـ.

وقال ابن علان في شرح رياض الصالحين: ثم خرج إلى المسجد ـ أي متوجهاً إليه: لا يخرجه إلا الصلاة ـ جملة حالية من فاعل خرج مقيدة لترتب الثواب الآتي على الخروج إلى المسجد بمضمونها، فإن أخرجه إليه غيرها أو هي مع غيرها فاته ما يأتي، وظاهر أن المفوت الخروج للشغل الدنيوي، أما إذا خرج للصلاة فيه وقراءة قرآن أو علم فذاك برّ ضم إلى بر. اهـ.
وأما الاحتمال الثاني، فيمكن أن يفهم من كلام بعض الشرح، قال العيني في شرح أبي داود: وأتى المسجد ـ أي: مسْجد الجماعة: لا يُريد إلا الصلاة ـ لأن الأعمال بالنيات، حتى إذا أتى المسجد لا لأجل الصلاة، بل لأجل حاجة لا تحصل له تلك الفضيلة، لأن الحكم يترتب على وجود العلة، فمتى انتفت العلة انتفى المعلول. اهـ.

وقال الخطابي في شرح صحيح البخاري: يريد أنه لا يُزْعِجه ولا يُنْهِضه إلى المسجد إلا الصلاة. اهـ.

وقال المناوي في شرح الجامع الصغير: أي إلا قصد الصلاة المكتوبة في جماعة. اهـ.

وقال القسطلاني في إرشاد الساري: أي قصدها في جماعة. اهـ.

ويكون ذلك قريبا في المعنى من حديث أبي هريرة مرفوعا: لا يتوضأ أحدكم فيحسن وضوءه ويسبغه، ثم يأتي المسجد لا يريد إلا الصلاة فيه، إلا تبشبش الله إليه كما يتبشبش أهل الغائب بطلعته.

قال المنذري: رواه ابن أبي شيبة وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين ـ  وصححه الألباني.

فهو ظاهر في أن المراد: بيان الحال التي يكون عليها في إتيان المسجد وأنه لا يريد إلا الصلاة، وليس المراد حصر مقصد خروجه من بيته، قال القسطلاني: وأتى المسجد ـ حال كونه: لا يريد إلاّ الصلاة ـ أو ما في معناها كاعتكاف ونحوه، واقتصر على الصلاة للأغلبية. اهـ.

فالغرض تجريد إتيان المسجد من كل ما قد يشوبه، حتى ولو كان مباحا، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: كان ابن عمر يأتي إلى بيت المقدس فيصلي فيه، ويخرج ولا يشرب فيه ماء، رجاء أن تصيبه دعوة سليمان عليه السلام: اللهم لا يأتي هذا البيت أحد لا يريد إلا الصلاة فيه إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه. اهـ.

ويرشح هذا الاحتمال قول النبي صلى الله عليه وسلم: مَن أتى المَسجد لِشيءٍ فهو حَظهُ. رواه أبو داود، وحسنه الألباني.

قال العيني في شرح أبي داود: بمعنى: إن كان إتيانه لأجل الصلاة أو الذكر، أو تلاوة القراَن، يكون ذلك نصيبهُ من الأجر والثواب، وإن كان لأجل عمل من أعمال الدنيا، أو للنوم، أو للكلام أو نحو ذلك، يكون ذلك أيضا نصيبَه من الوزر والخطيئة على حسب ذلك الشيء وتفاوته. اهـ.

وقال القاري في المرقاة: فيه تنبيه على تصحيح النية في إتيان المسجد، لئلا يكون مختلطا بغرض دنيوي كالتمشية والمصاحبة مع الأصحاب، بل ينوي الاعتكاف، والعزلة، والانفراد، والعبادة، وزيارة بيت الله، واستفادة علم، وإفادته ونحوها. اهـ.

وقال المُظْهِري في شرح المصابيح: يعني: من أتى المسجدَ لعبادةٍ يحصلْ له الثواب، ومن أتاه لشُغلٍ دنيوي لا يحصلْ له إلا ذلك الشغل. اهـ.
وإذا تبين هذا ظهر الجواب عن الصورة الأولى والأخيرة مما ذكره السائل، على كلام الاحتمالين، وبقيت الصورة الثانية وهي: من عنده حاجة يريد أن يقضيها بعد الصلاة، فهل له أن يصلي في المسجد ثم يذهب لقضاء حاجته مباشرة، أم عليه أن يعود إلى منزله أولا، ثم يذهب لقضاء حاجته، كي يُحصّل تمام الأجر المذكور في الحديث من رفع الدرجات وتكفير السيئات بخطواته؟ ولم نجد في ذلك نصا لأهل العلم، والذي يظهر لنا أن العودة إلى بيته وإن كانت أحوط، إلا إن ذلك لا يلزمه، فحسبه أنه خرج من بيته إلى المسجد لا يلوي على شيء إلا بعد أن ينال فضيلة الصلاة في الجماعة فيصدق عليه بذلك أنه خرج إلى المسجد لا يريد إلا الصلاة! وأما ما يريد فعله بعدها فهذا أمر مستأنف لا يؤثر على ما تم قبله، كمن خرج إلى صلاة الجمعة ـ وهي آكد الصلوات وجوبا ـ يريد الصلاة، ثم بعد إتمامها يريد أن يخرج من المسجد ليبيع ويشتري، كما أذن الله بذلك فقال: فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ {الجمعة: 10}.

قال ابن كثير: لما حجر عليهم في التصرف بعد النداء وأمرهم بالاجتماع، أذن لهم بعد الفراغ في الانتشار في الأرض والابتغاء من فضل الله، كما كان عراك بن مالك ـ رضي الله عنه ـ إذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد، فقال: اللهم إني أجبت دعوتك، وصليت فريضتك، وانتشرت كما أمرتني، فارزقني من فضلك، وأنت خير الرازقين ـ رواه ابن أبي حاتم، وروي عن بعض السلف أنه قال: من باع واشترى في يوم الجمعة بعد الصلاة، بارك الله له سبعين مرة؛ لقول الله تعالى: فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله. اهـ. 
والله أعلم.