حديث الرسول عليه الصلاة والسلام "من بدل دينه فاقتلوه" هل كل من ارتد يقتل؟ منذ أن قرأت هذا الحديث بدأت تأتيني وساوس عن الإسلام أنه دين إرهاب.

 الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

 فنود أن ننبه أولا إلى أن من آمن بالله ربا عليما حكيما، لا يشرع إلا لحكمة، وأنه عدل لا يظلم أحدا، وجب عليه أن يسلم له في أحكامه، قال تعالى: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا {النساء:65}. هذا أولا.

ثانيا: يجب على المسلم الحذر من أن يجعل قلبه عرضة للشبهات، أو أن يكون لها محل فيه؛ فإن هذا من خطوات الشيطان ليفسد عليه دينه، قال ابن القيم في (مفتاح دار السعادة): قال لي شيخ الإسلام -رضي الله عنه- وقد جعلت أورد عليه إيرادًا بعد إيراد-: لا تجعل قلبك للإيرادات، والشبهات، مثل السفنجة، فيتشربها، فلا ينضح إلا بها، ولكن اجعله كالزجاجة المصمتة، تمر الشبهات بظاهرها، ولا تستقر فيها، فيراها بصفائه، ويدفعها بصلابته، وإلا فإذا أشربت قلبك كل شبهة تمر عليه، صار مقرًّا للشبهات -أو كما قال- فما أعلم أني انتفعت بوصية في دفع الشبهات، كانتفاعي بذلك، وإنما سميت الشبهة شبهة؛ لاشتباه الحق بالباطل فيها، فإنها تلبس ثوب الحق، على جسم الباطل. اهـ.
ثالثا: أن تحرير المصطلحات أمر مهم، ومن ذلك مصطلح الإرهاب، فهو من الألفاظ الفضفاضة التي يحصل بالانجرار وراءها - بلا ضابط - هدم كثير من مبادئ الدين وأحكام رب العالمين.

 وهذا الحديث محل رواه البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فهو حديث لا شك في صحته. وهو متضمن لحكم المرتد، وأن حده القتل. وهذا من جهة الحكم العام، وأما تنفيذ هذا الحكم فتحكمه ضوابط، ومن ذلك: أن المرتد لا يقتل مباشرة، وإنما يستتاب في قول جمهور الفقهاء، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: واستدل ابن القصار لقول الجمهور بالإجماع -يعني السكوتي- لأن عمر كتب في أمر المرتد: هلا حبستموه ثلاثة أيام وأطعمتموه في كل يوم رغيفا لعله يتوب، فيتوب الله عليه، قال: ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة. اهـ.

ثم إنه ليس لآحاد الناس قتله، وإنما المرجع في ذلك إلى الحاكم المسلم، فإقامة الحدود من شأنه، ففي المجموع للنووي الشافعي: لا يقيم الحدود على الأحرار إلا الإمام، أو من فوض إليه الإمام؛ لأنه لم يقم حد على حر عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم إلا بإذنه، ولا في أيام الخلفاء إلا بإذنهم، ولأنه حق لله تعالى يفتقر إلى الاجتهاد، ولا يؤمَن في استيفائه الحيف، فلم يجز بغير إذن الإمام. اهــ.

وقال ابن مفلح الحنبلي في الفروع: تَحْرُمُ إقَامَةُ حَدٍّ إلَّا لِإِمَامٍ أَوْ نَائِبِهِ. اهــ.

 والإسلام لا يُكرِه أحدا على الدخول فيه. وإقامة حد الردة على المرتد لا يتنافى مع هذه الحقيقة، وسبق أن بينا ذلك في الفتاوى التالية أرقامها: 13987 //  170755 //  309214، فراجعها. 

والله أعلم.