السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

تقدَّم لي شخصٌ، وكانتْ تظْهَر عليه الأخلاقُ والأدبُ والدينُ، ثم تواصلتُ معه للتعرُّف إليه، ووجدتُه يقول كلامًا غريبًا، ويطلب مني أشياء أغرب؛ مثل قوله: "أنا مِن النوع الذي لا يغار"، و "أريدك أن تلبسي وتتزيَّني إذا خرجتِ إلى السوق"، و "إذا سافرنا خارج بلدنا أريدك أن تخلعي الحجاب، وتكوني جريئةً أمام الناس!"، ثم أخبرني بأنني إذا حققتُ له ما يريد، فسأكون سعيدةً معه!!

وأيضاً يدعوني للتواصل مع زملائه، ويُريدني أن أتخيَّلَ أموراً شاذة في العلاقة الجنسية، وأن أبقى مع الرجال كما أشاء.. ولن يمنعني!

فهل هذا شخص طبيعي أو مريض؟

الإجابة:

الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه، أما بعدُ:

الابنة الكريمة، إن كان حقًّا ما تقولين، فقد أسأتِ الاختيار جدًّا؛ فالنبيُّ حثَّ النساءَ على الارتباط بمَرْضِيِّ الدين والخُلُق، والصفاتُ التي تحكينها عن خطيبك تدُلُّ على أنه لا يَغار على عِرْضِه، وهذه صفةُ الدَّيوث، وهو شرُّ الرجال؛ فالغَيْرَةُ مِن الغرائز البشرية والصفاتِ المحمودةِ التي أودعها اللهُ في الإنسان، وفَطَرَهُ عليها، فمَن لا يَغَار مَنكُوسُ الفطرة، ولا خير فيه، وهي مِن صفات الله، وأقوى الناس دينًا أعظمُهم غيرة؛ كما ثبت في الصحيح، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في خطبة الكسوف: «يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، مَا أَغْيَرُ مِنَ اللهِ أَن يَزْنِيَ عَبْدُهُ، أَوْ تزْنِيَ أَمَتُهُ».

وفي الصحيح أيضًا، أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنَ اللهِ - عَزَّ وَجَلَّ - مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ؛ مَدَحَ نَفْسَهُ، ولَيْسَ أَحَدٌ أَغْيَرَ مِنَ اللهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ، وَلَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَنْزَلَ الْكِتَابَ وَأَرْسَلَ الرُّسُلَ».

وفي الصحيحين، عن أبي هريرَة، قَالَ: قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: «يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ وَجَدْتُ مَعَ أَهْلِي رَجُلًا لَمْ أَمَسَّهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: نَعَمْ، قَالَ: كَلَّا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، إِنْ كُنْتُ لَأُعَاجِلُهُ بِالسَّيْفِ قَبْلَ ذَلِكَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اسْمَعُوا إِلَى مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ؛ إِنَّهُ لَغَيُورٌ، وَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللهُ أَغْيَرُ مِنِّي»؛ متفق عليه.

وفي روايةٍ عند مسلم، عن أبي هريرةَ، أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ الْأَنْصَارِيَّ، قَالَ: «يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَجِدُ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا، قَالَ سَعْدٌ: بَلَى، وَالَّذِي أَكْرَمَكَ بِالْحَقِّ، فَقَالَ رَسُول اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اسْمَعُوا إِلَى مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ».

ورواه مسلم عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: «لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا مَعَ امْرَأَتِي، لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرُ مُصْفِحٍ عَنْهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ، فَوَاللهِ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللهُ أَغْيَرُ مِنِّي، مِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللهِ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَلَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ الله»، فالنبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَم يُنكِر على سعد قوله، وَلَا نَهَاه عَنْ قَتْلِهِ، ولا قَالَ له: لَوْ قَتَلْتَهُ قُتِلْتَ بِهِ، وإنما أثنى عَلَى غيرتِه.

وتأمَّلي - رعاك الله - كلام شيخ الإسلام ابن تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (6/ 119): ونحن نعلم بالاضطرار أنا إذا قدّرنا موجودين: أحدهما عنده قوة يدفع بها الفساد، والآخر لا فرق عنده بين الصلاح والفساد، كان الذي عنده تلك القوة أكمل، ولهذا يُذَم مَن لا غيرة له على الفواحش كالديوث، ويُذم من لا حمية له يدفع بها الظلم عن المظلومين، ويمدح الذي له غيرة يدفع بها الفواحش، وحَمِيَّة يدْفَع بها الظلم؛ ويعلم أن هذا أكمل من ذلك؛ ولهذا وصف النبيُّ صلى الله عليه وسلم الربَّ بالأكملية في ذلك؛ فقال في الحديث الصحيح: «لا أحد أَغْيَر مِن الله؛ مِنْ أَجْلِ ذلك حرَّم الفواحش ما ظهَر منها وما بطن» ،وقال: «أتَعْجَبُون مِن غَيْرَة سعد؟ أنا أَغْيَرُ منه، واللهُ أَغْيَرُ مني»". اهـ.

وغالب الظنِّ أن هذا الرجل غارق في المعاصي، فهي تورث الدياثة، فمِن عُقوبات الذنوب: أنها تُطفئ من القلب نارَ الغيرة التي هي لحياته وصلاحه، وقد قرر ذلك ابن القيم في "تحفة المودود بأحكام المولود" (ص: 242) فقال: فالحذَر كل الحذَر من تمكينه من تناول ما يزيل عقله مِن مسكرٍ وغيره، أو عشرة من يخشى فساده، أو كلامه له، أو الأخذ في يده، فإن ذلك الهلاكُ كله، ومتى سهل عليه ذلك فقد استسهل الدِّياثة، ولا يدخُل الجنة ديوث".

والذي يظهر أن هذا الشخص - على الحال الذي ذكرتِ - لا يَصْلُح زوجًا؛ فاتركيه، إلا أن يتوبَ عن كل ما ذكرت، وينصلح حاله، ويصبح رجلًا حقيقيًّا.

والله أسأل أن يُقَدِّر لك الخير حيث كان