السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا شابٌّ أكتُب إليكم رسالتي بعد أن أجريتُ عمليةً جراحية للمرة السابعة عشرة! ابتليتُ ابتلاء شديدًا، كان أولُه كسر يدي، ثم كسر قدمي، ثم كسرًا في الرأس، وأخبرني الطبيبُ أن حياتي مُعرَّضة للخطر، وأي ضربة ولو كانتْ بسيطة قد تؤدِّي بي إلى الوفاة!

ثم توالت العمليات الجراحية ما بين عملية في البطن وعملية في الحوض وغيرها من العمليات الكثيرة، والتي بلغتْ إلى الآن سبع عشرة عملية جراحية! والحمدُ لله على كلِّ حال.

وكما ترون عشتُ أيامًا صعبة منذ كنتُ صغيرًا، وعندما كبرتُ وأنا بحالتي هذه لم أتوقع يومًا أن أكونَ شابًّا كبقية الشباب، أو حلمَ أي فتاة، فقد بحثتُ عن الحبِّ لأعوِّض تجاربي المؤلمة، لكن وجدتُ نفسي إنسانًا تافهًا، مكسور الكرامة؛ إذ كلُّ فتاة أحاول الدخول إلى حياتها تَرفضني، وأشعر بعدها بالحُرقة والندم على كرامتي التي يقول لي الجميع: حافِظْ عليها، وكفاك تطفُّلًا!

نصحني بعضُ المقربين بالإكثار من الاستغفار؛ لعل ذلك يرفع عني ما أنا فيه، فأكثرت من الاستغفار ولكن ما زلت كما كنت.

فأشيروا عليَّ وانصحوني كيف أعالج قلبي؟ بارك الله فيكم

الإجابة:

الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه، أما بعدُ:

فشفاك الله وعافاك أيها الابن العزيز، وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يشفيك.

اعلم أنَّ السبيل لعلاج القلب هو الاستقامة والثبات على الدين، ولن تستطيع هذا إلا بالاستعانةِ بالله تعالى، وصِدق الالتجاء إليه سبحانه، والعمَل بمُقتضى كتابه، واتباع هدْي رسوله صلى الله عليه وسلم، ومُصاحَبة أهل الخير الذين يدلون على طاعة الله تعالى ويرغبون فيها، ويحذرون مِن طاعة الهوى، وإغواء الشيطان، مع البُعد عن قُرناء السوء المنحرفين.

كما يتطلَّب صلاح القلب معرفة مَداخل النفس والشيطان وسلاحهما ومداخلهما له، فعلاجُ القلب على الحقيقة هو سدُّ هذه المداخل بتطهير القلب مِن هذه الصفات المذمومة، وكان مِن دعائه صلى الله عليه وسلم الذي علَّمه أبا بكر قال: قُله إذا أصبحتَ وإذا أمسيتَ وإذا أخذتَ مضجعك: «اللهم عالم الغيب والشهادة، فاطر السموات والأرض، ربَّ كل شيء ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك مِن شر نفسي وشر الشيطان وشركه»؛ رواه أبو داود والترمذي وأحمد، فتَضمَّن الحديث الاستعاذة بمصدري الشر اللذين يصدر عنهما.

هذا؛ وسأُلَخِّص لك بعض الأسباب لعلاج مرض القلب:

  • منها: القضاء على أسباب علته بالتوبة النصوح مِن البِدَع والمعاصي وأنواع المخالفات، وفي المقابل مَدُّه بأسباب قوته مِن الإيمان وأنواع الطاعات، ثم حمايته بكثرة الاستغفار.
  • ومنها: إدمان النظر في كتاب الله تعالى، وتدبر آياته، قال تعالى: {يا أَيهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 57].
  • ومنها: ذكر الله تعالى كثيرًا، ومِن أعظم ذلك الأذكار التي تُقال في اختلاف الأحوال؛ كأذكار الصباح والمساء، وبعد الصلوات، وعند النوم، وغيرها كثير، وتجدها وغيرها في كُتيب: (حصن المسلم) للقحطاني، فاحرِصْ على اقتنائه.
  • ومنها: طلب العلم النافع؛ إذ به يعرِفُ العبدُ ربَّه تعالى بأسمائه وصفاته وأفعاله، ويعرف افتقاره إليه ومدى حاجته إليه، وما أعدَّه لمن أطاعه واتقاه، وما توعد به مَن خالَفَ أمرَه وعصاه، فالوقوفُ على ذلك يجعل العبد يخشى الله ويتقيه حقَّ تُقاته، فانضمَّ إلى حلق العلم في المساجد والمراكز الإسلامية واستمعْ إلى الأشرطة الدينية.
  • ومنها: الدعاء بأن يُحيي الله قلبك، ويشرح صدرك، ويُلهمك رشدك، ويكفيك شر الشيطان وشر نفسك، وأكثر مِن الدعاء: «اللهم يا مقلِّبَ القلوب؛ ثَبِّتْ قلبي على دينك»؛ رواه الترمذي.
  • ومنها: اتخاذ رفقة صالحة مؤمنة، فصُحبةُ الصالحين تُغري بالصلاح، فالصاحبُ ساحبٌ، والطباعُ سرَّاقة، فانتظمْ في سلك الصالحين، وشارِكْهم في أنواع الطاعات، فإن الشيطان مع الواحد، وهو مِن الاثنين أبعد، وإنما يأكُل الذئب مِن الغنم القاصية.
  • ومنها: أن تكون على يقينٍ أن أفعال الله سبحانه لا تخرج عن وفق المصلحة والرحمة والحكمة، وأن عواقب أفعاله حميدة، وأن له الكمال في الحكمة، ولا مُعقِّب لحكمه، ولا يعترض عليه بالسؤال؛ لأنه لا يفعل شيئًا سُدًى، ولا خلَق شيئًا عبَثًا؛ قال تعالى: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يفْعَلُ وَهُمْ يسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23]، فإنما يُسأل عن فِعلِه مَن خرج عن الصواب والمنفعة، وفي الآية إثباتٌ لحقيقة الإلهية وإفراده بالربوبية والإلهية، والله تعالى يبتلي عباده ويُعوضهم في الآخرة بالثواب، فالابتلاءُ والإيلام كالتكاليف، وثمرة الصبر والمجاهدة هي الهداية؛ قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِينَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69].
  • ومنها: ما ذكَرَه العلامةُ ابن القيم في "مدارج السالكين" (2/30): "أن تنقُلَ قلبَك مِن الدنيا فتسكنه في وطن الآخرة، ثم تُقبل به كله على معاني القرآن واستجلائها وتدبرها، وفَهم ما يراد منه، وما نزَل لأجله، وأَخْذ نصيبك مِن كل آياته، وتُنزلها على داء قلبك، فإذا نزلتْ هذه الآية على داء القلب برئ القلب بإذن الله". انتهى.

هذا؛ وسأنقُل لك ما كتبه أيضًا العلامة ابن القيم في طرق علاج مرض القلب؛ حيث قال رحمه الله في "إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان" (1/ 74-78): "فإنَّ سائرَ أمراض القلب إنما تَنشأ مِن جانب النفس، فالموادُّ الفاسدةُ كلها إليها تنصبُّ، ثم تنبعث منها إلى الأعضاء، وأولُ ما تنال القلب، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبة الحاجة: «الحمدُ لله نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَهدِيهِ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيئاتِ أَعْمَالِنَا».

وفي المسند والترمذيِّ مِن حديث حُصين بن عبيد، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: «يا حُصينُ، كم تَعبُدُ؟، قال: سبعةٌ؛ ستةٌ في الأرضِ، وواحدٌ في السماء، قال: فمَن الذي تُعِدُّ لرغبتك ورهبتك؟، قال: الذي في السماء، قال: أسْلِمْ حتى أُعلِّمك كلماتٍ ينفعُك اللهُ بها، فأسْلَم، فقال: قُل: اللهُم ألهمني رُشدي، وقني شر نفسي».

ثم قال رحمه الله: الناسُ على قسمين:

  • قسم ظفرتْ به نفسه؛ فملكته وأهلكته، وصار طوعًا لها تحت أوامرها.
  • قسم ظفروا بنفوسهم فقهروها، فصارتْ طوعًا لهم مُنقادةً لأوامرهم.

قال بعضُ العارفين: انتهى سفر الطالبين إلى الظفر بأنفسهم، فمَن ظفر بنفسه أفلح وأنجح، ومن ظفرت به نفسه خسر وهلك؛ قال تعالى: {فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: 37 - 41]، فالنفسُ تدعو إلى الطغيانِ وإيثار الحياة الدنيا، والربُّ يدعو عبدَه إلى خوفه ونهي النفس عن الهوى، والقلب بين الداعيين، يميل إلى هذا الداعي مرة، وإلى هذا مرة، وهذا موضعُ المحنة والابتلاء.

إلى أن قال: "والمقصودُ: ذكرُ علاج مرض القلب باستيلاء النفس الأمارة عليه، وله علاجان: محاسبتها، ومخالفتها، وهلاكُ القلب من إهمال محاسبتها، ومِن موافقتها واتباع هواها، وفي الحديث الذي رواه أحمد وغيره مِن حديث شداد بن أوس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الكَيِّسُ مَن دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز مَن أتبع نفسه هواها وتمنَّى على الله».

ودان نفسه: أي حاسبها.

وذَكَر الإمامُ أحمد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، فإنه أهون عليكم في الحساب غدًا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتزينوا للعرض الأكبر، { يوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيةٌ} [الحاقة: 18]".

وعن الحسن قال: "لا يُلفَى المؤمن إلا يحاسب نفسه: ماذا أردتِ تعملين؟ وماذا أردت تأكلين؟ وماذا أردت تشربين؟ والفاجرُ يمضي قُدُمًا قُدمًا لا يحاسب نفسه".

وقال قتادة في قوله تعالى: {وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: 28]: أضاع نفسه وغبن، مع ذلك تراه حافظًا لمالِه مُضَيعًا لدينه.

وقال الحسن: "إنَّ العبد لا يزال بخيرٍ ما كان له واعظٌ من نفسه، وكانت المحاسبة من همته".

وقال ميمون بن مِهران: "لا يكون العبدُ تقيًّا حتى يكون لنفسه أشد محاسبة من الشريك لشريكه، ولهذا قيل: النفسُ كالشريك الخوان، إن لم تحاسِبْه ذهَب بمالك".

وذكر الإمام أحمد عن وهب قال: "مكتوب في حكمة آل داود: حقٌّ على العاقل ألا يغفل عن أربع ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلو فيها مع إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه ويصدقونه عن نفسه، وساعة يتخلى فيها بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويجمل، فإن في هذه الساعة عونًا على تلك الساعات، وإجمامًا للقلوب".

وكتب عمرُ بن الخطاب إلى بعض عماله: "حاسِبْ نفسك في الرخاء قبل حساب الشدة، فإن مَن حاسَب نفسه في الرخاء قبل حساب الشدة عاد أمره إلى الرضا والغبطة، ومَن ألْهَتْهُ حياته وشغلته أهواؤه عاد أمره إلى الندامة والخسارة".

وقال الحسن: "المؤمنُ قوَّام على نفسه، يحاسب نفسه لله، وإنما خفَّ الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر مِن غير محاسبة...، فكذلك النفس: يشارِطها أولًا على حفظ الجوارح السبعة التي حِفْظُها هو رأس المال، والربح بعد ذلك، فمَن ليس له رأس مال، فكيف يطمع في الربح؟!

وهذه الجوارحُ السبعة - وهي: العينُ، والأذن، والفم، واللسان والفَرْج، واليد، والرِّجل - هي مركب العَطَب والنجاة، فمنها عطب مَن عطب بإهمالها وعدم حفظها، ونجا مَن نجا بحفظها ومراعاتها، فحِفْظُها أساس كل خير، وإهمالها أساس كل شر؛ قال تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} [النور: 30]، وقال تعالى: {وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا} [الإسراء: 37]، وقال تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا} [الإسراء: 36]، وقال تعالى: {وَقُلْ لِعِبَادِي يقُولُوا الَّتِي هِي أَحْسَنُ} [الإسراء: 53]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا} [الأحزاب: 70]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ} [الحشر: 18].

فإذا شارَطها على حفظ هذه الجوارح انتقل منها إلى مطالعتها والإشراف عليها ومراقبتها، فلا يهملها، فإنه إنْ أَهْمَلَها لحظةً رَتَعَتْ في الخيانة ولا بد، فإن تمادى على الإهمال تمادتْ في الخيانة حتى تُذهبَ رأس المال كله، فمتى أحس بالنقصان انتقل إلى المحاسبة، فحينئذٍ يتبين له حقيقة الربح والخسران، فإذا أحس بالخسران وتيقَّنه استدرك منها ما يستدركه الشريك من شريكه".

ثم ذَكَر بابًا نافعًا في الكتاب نفسه (1/ 90 - 100) في علاجِ مرض القلب بالشيطان، سأنقُل منه فقرات، وراجِعْه أنت بتَمامِه: "وأما الشيطانُ فذُكر في عدة مواضع، وأُفردتْ له سورة تامة، فتحذيرُ الرب تعالى لعباده منه جاء أكثر من تحذيره من النفس...، وقد أمَر اللهُ سبحانه بالاستعاذة منه عند قراءة القرآن وغير ذلك؛ وهذا لشدة الحاجة إلى التعوذ منه...

وقد جمع النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بين الاستعاذة من الأمرين في الحديث الذي رواه الترمذيُّ وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنه: أنَّ أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال: "يا رسول الله، علِّمني شيئًا أقولُهُ إذا أصبحتُ وإذا أمسيتُ"، قال: «قُل: اللهُم عالم الغيب والشهادة، فاطرَ السموات والأرض، ربَّ كُل شيءٍ ومليكه، أشهدُ أن لا إله إلا أنت، أعُوذُ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه، وأن أقترفَ على نفسي سُوءًا أو أجره إلى مُسلمٍ، قُلهُ إذا أصبحتَ وإذا أمسيتَ، وإذا أخذتَ مضجعك». فتضمن الحديث مصدري الشر اللذين يصْدُر عنهما، وغايتيه اللتين يصل إليهما.

قال تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ} [النحل: 98 - 100].

ومعنى: "استَعِذْ بالله": امتنع به، واعتَصِم به، والجأ إليه.

فأمر سبحانه بالاستعاذة به من الشيطان عند قراءة القرآن، وفي ذلك وجوهٌ:

  • منها: أن القرآن شفاء لما في الصدور، مُذهبٌ لما يلقيه الشيطان فيها من الوساوس والشهوات والإرادات الفاسدة، فهو دواء لما أثَّره فيها الشيطان، فأمر أن يطردَ مادة الداء، ويخلي منه القلب؛ ليصادف الدواء محلًّا خاليًا، فيتمكن منه، ويؤثر فيه، كما قيل:

أَتَانِي هَوَاهَا قَبْلَ أَنْ أَعْرِفَ الهَوَى     فَصَادَفَ قَلْبًا خَالِيًا فَتَمَكَّنَا

  • ومنها: أن القرآن مادة الهدى والعلم والخير في القلب، كما أن الماء مادة النبات، والشيطانُ نار يحرق النبات أولًا فأولًا، فكلما أحسَّ بنبات الخير في القلب سعى في إفساده وإحراقه، فأمر أن يستعيذ بالله عز وجل منه؛ لئلا يفسد عليه ما يحصل له بالقرآن.
  • ومنها: أن الملائكة تدنو مِن قارئ القرآن وتستمع لقراءته، كما في حديث أسيد بن حضير لما كان يقرأ، ورأى مثل الظلة فيها مثل المصابيح، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «تلك الملائكة».

والشيطانُ ضد الملَك وعدوه، فأمر القارئ أن يطلبَ مِن الله تعالى مباعدة عدوه عنه حتى تحضره خاصته وملائكته، فهذه وليمةٌ لا تجتمع فيها الملائكة والشياطين.

  • ومنها: أن الشيطان يجلب على القارئ بخيله ورجله، حتى يشغلَه عن المقصود بالقرآن، وهو تدبره وتفهمه ومعرفة ما أراد به المتكلم به سبحانه، فيحرص بجهده على أن يحولَ بين قلبه وبين مقصود القرآن، فلا يكمل انتفاع القارئ به، فأمر عند الشروع أن يستعيذَ بالله عز وجل منه.
  • ومنها: أن القارئ مناجٍ لله تعالى بكلامه، والله تعالى أشد أذَنًا للقارئ الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته، والشيطان إنما قراءته الشعر والغناء، فأمر القارئ أن يطرده بالاستعاذة عند مناجاته تعالى واستماع الرب قراءته.
  • ومنها: أن الله سبحانه أخبر أنه ما أرسل مِن رسول ولا نبي إلا إذا تمنَّى ألقى الشيطان في أمنيته، والسلفُ كلهم على أن المعنى: إذا تلا ألقى الشيطان في تلاوته، كما قال الشاعر في عثمان:

تَمَنَّى كَتَابَ اللهِ أَوَّلَ لَيلِهِ    وَآخِرَهُ لاقَى حِمَامَ المَقَادِرِ

فإذا كان هذا فعلُه مع الرسل عليهم الصلاة والسلام، فكيف بغيرهم؟

ولهذا يُغلِّط القارئ تارةً، ويخلط عليه القراءة ويشوشها عليه، فيخبط عليه لسانه، أو يشوش عليه ذهنه وقلبه.

  • ومنها: أن الشيطان أحرص ما يكون على الإنسان عندما يهم بالخير، أو يدخل فيه، فهو يشتد عليه حينئذٍ ليقطعه عنه، وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن شيطانًا تَفَلَّتَ عليَّ البارحة، فأراد أن يقطعَ عليَّ صلاتي...» الحديث، وكلما كان الفعلُ أنفع للعبد وأحب إلى الله تعالى، كان اعتراض الشيطان له أكثر". اهـ مختصرًا.

 

والله أسأل أن يلهمك رشدك، ويكفيك شر الشيطان وشر نفسك