الانتكاسة واستشعار ذنوب الآخرين واحتقار الناس بسبب الطاعات التي أفعلها، والمن على الله، أشعر بذلك، بالإضافة إلى أنني أخاف من الرياء وأحس أنني مراء.

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد: 

فما ذكرته من أخطر أمراض القلوب، فعليك أن تستعين بالله وتجاهد نفسك على مدافعتها والتخلص منها، فأما احتقار الآخرين وازدراؤهم: فهو من الكبر الذي توعد الله صاحبه بعدم دخول الجنة، كما ثبت في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم عرف الكبر بأنه بطر الحق وغمط الناس، أي احتقارهم، ويدفع عنك هذا أن تنظر في ذنوبك وتقصيرك وتستحضر تفريطك وجنايتك فتكون في شغل بنفسك عما عليه الناس، فطوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس.

وأما المن على الله: فهو من محبطات الأعمال، ويدفعه عنك أن تستحضر أن المنة لله جميعا، وأنه لولا فضله ما أقامك في هذا المقام، وأنه المتفضل عليك المان بالهداية والتوفيق للخير، وأن طاعاتك وإن عظمت لو وزنت بأصغر نعم الله عليك لرجحت نعمة الله، فهو فضله أن من عليك بالتوفيق للطاعة، وفضله أن من عليك بقبولها، وفضله أن جعلها سببا لنيل ثوابه، فالأمر كله دائر بين الفضل والمنة منه سبحانه وبحمده، ويدفع عنك هذا كذلك أن تستحضر تقصيرك وتفريطك وتكثر الفكرة في ذنوبك وغفلتك وإعراضك، وتتفكر في آفات طاعاتك وما يعتريها من النقص فتستحيي أن تكون هذه الطاعات مما يتقرب به إليه سبحانه، وتشفق أن ترد عليك ويضرب بها وجهك، وفي الترمذي: أن عائشة سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة ـ أهو الرجل يزني ويسرق ويشرب الخمر ويخاف الله؟ فقال لها: لا؛ يا ابنة الصديق، بل هو الرجل يصلي ويصوم ويتصدق ويخشى ألا يتقبل الله منه.

وأما الرياء: فقد فصلنا القول في وسائل مدافعته في الفتوى رقم: 134994.

وأما الانتكاسة: فالذي يحول بينك وبينها دوام التمسك بحبل الله والاجتهاد في دعائه أن يثبتك على دينه ويصرف قلبك على طاعته واللياذ به والتوكل عليه وتفويض الأمر إليه، واستعن على ذلك بصحبة أهل الخير ومجالسة الصالحين ولزوم ذكر الله على كل حال والإكثار من صنوف العبادات المختلفة، والاجتهاد في إصلاح القلب وعمارته بخشية الله تعالى ورجائه والشوق إليه.

على أننا قبل أن نختم نحذرك من الوسوسة وأن يتسلط عليك الشيطان فيوهمك بأنك مراءٍ ليحول بينك وبين الخير ويقعدك عن العبادة، فلا تسترسل مع الوساوس إذا عرضت لك ولا تبال بها ولا تعرها اهتماما، والله يوفقنا وإياك لما فيه رضاه.

والله أعلم.