السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحْبه وسلم تسليمًا كثيرًا مباركًا إلى يوم الدِّين.

سيدي الفاضل، السلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته،

أرجوكم أن تفتوني في أمْري، والله تعالى يجزيكم عنِّي خير الجزاء، ويجعل عملكم هذا في ميزان حسناتكم، وبعدُ:

فتنتابني في كلِّ لحظةٍ من لحظات حياتي هواجس، لا تُفارقني ليلاً أو نهارًا، حتى أصبحتْ حياتي منَغَّصة، وخاصة عندما أخلو إلى نفسي، وأفكِّر في زواجي وأسرتي، ولقاء ربِّي، وعباداتي، وعقيدتي.

أمَّا عندما أقرأ كتاب الله - عز وجل - فإنِّي أزداد تعاسة وهمًّا وغمًّا مِنْ كلِّ آية من آيات العذاب، بل إنني أجد في قوله تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [الفرقان: 23]، وكذا في قوله تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف: 103، 104]، أقول: إنني أجد في هاتين الآيتَيْن الكريمتَيْن، وفي غيرهما من كتاب الله - عز وجل - إنذارًا ووعيدًا شديدًا وزاجرًا لي، أنا بالذات، أما آيات الرحمة والغفران، فأجد نفسي وأنا أتلوها بعيدة مني كل البعد - أستغفر الله العظيم لي ولكم ولكل من يوَحِّد الله ويؤمن بالله واليوم الآخر.

سيدي الفاضل، إنَّ سبب هذا الشرود والأفكار التي تُسيطر على ذهني، وتنغِّص عيشي - يرجع إلى خلافات زوجيَّة قديمة، ونزاعات أُسرية بغيضة، نتج عنها عدم تحكيم العقل بالرجوع إلى هدي القرآن الكريم وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعيدًا عن الغضب والانفعال الذي هو سِمة من سمات مزاجي العصبي، وعند هذا الغضب حدث ما حدث من التلفُّظ بكلمة الطلاق في حق زوجتي، خلال فترة الحيض، أو طهر تمَّت فيه المعاشرة.

لكن بعد التأمُّل في الموضوع، والبحث الطويل في كُتُب الفقه والسنة، واستفتاء بعض العلماء - تَبَيَّنَ لي أن هناك خلافًا بين أئمة العلم والعلماء وفقهاء الشريعة حول إيقاع الطلاق البدْعي.

وفي آخر المطاف أخذتُ برأي سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز - رحمه الله - الذي يستند في عدم إيقاع الطلاق البدعي إلى علماء الأمة سلفهم وخلفهم، كمذهب ابن عمر، وابن عباس من الصحابة - رضي الله عنهم - وكذا مذهب سعيد بن المسيب، وطاوس، وخلاس بن عمرو من التابعين، بالإضافة إلى رأي شيخ الإسلام ابن تيميَّة، وتلميذه ابن القيم، وغيرهم.

اطمأنتْ نفسي إلى فتوى سماحته التي هي منتشرة في موقعه الإليكتروني، وكذا إلى رأي هؤلاء العلماء سلفهم وخلفهم جميعًا، فرجعتُ إلى زوجتي واستقامتْ حياتُنا الزوجية، ورَزَقَنا الله - سبحانه وتعالى - خمسة أبناء.

إلا أنَّني كلما رجعتُ أُفَكِّر في زَمَن الشقاق والنِّزاع والصراع القديم، يستولي على ذهني ما يستولي من ندم وهواجس الماضي، وخاصة هذه الأيام عندما كنتُ أقرأ ما جاء في بعض الكتب المنشورة على الإنترنت، فإذا بي أعثر على رأي مفاده: إن مَن تَتَبَّع الرُّخَص فقد تَزَنْدق.

وقد نسب هذا الكلام لإبراهيم بن أدهم، ونوقش على أساس أنه من يطلب فتوى من مذهب غير مذهبه، ووجد في هذه الفتوى ترخيصًا وتساهُلاً وأخذ بها، فهو زنديق، وهكذا زادتْ نكْبتي واتسعتْ دائرة هواجسي، وضاقتْ عليَّ الأرض بما رحُبتْ، فالتجأتُ إليكم - سيدي الفاضل - للأخْذ بيدي وإرشادي للطريق الصحيح في عبادتي.

لذا؛ أطلب منكم أجوبة مُحددة على هذه الأسئلة لِحَلِّ مُعضلتي الدِّينيَّة والنَّفسيَّة والاجتماعيَّة:

1 - هل زواجي الحالي بعد طلاق بدْعي مختلف فيه زواج فاسد حرام؟

2 - هل الأخْذ والاطمئنان إلى فتوى ابن باز - رحمه الله - والعمل بها عمل باطل؟ وخروج عن مذهب أهل السنة والجماعة؟

3 - هل يترتب على بطلان هذا العمل - إذا كان باطلاً حقًّا - بُطلان كل عباداتي؛ مِنْ حج، وعمرة، وصلاة، وصيام، وزكاة، وكل أعمال الخير، وبالتالي ينطبق عليَّ مفهوم الآيتَيْن القرآنيتَين السابقتي الذِّكْر؟

4 - هل أنا زنديق بخُرُوجي عن مذهب الإمام مالك إلى مذهب الإمام أحمد في فتواي، والقاعدة الفقهيَّة المشهورة تقول: المفتي لا مذهب له؟

5 - هل ما يستولي عليَّ مِن هواجس وشرود وتأنيب ضمير هو صوت الحق يناديني من أجل فراق زوجتي وأسرتي؟ أو هي وساوس من الشيطان الرجيم الذي يُحاول أن يُفرِّق شمل أُسرتي مِن جديد؟

أرجوكم - سيدي الفاضل - أنقذوني من هذا التمَزُّق النفسي الذي يطاردني كل يوم، بل كل لحظة، وينغِّص عليَّ حياتي وصلاتي وكل عباداتي، ولكم جزيل الشُّكر.

أنا في انتظار أجْوبتكم بفارغ الصبْر، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

الإجابة:

الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصَحْبه ومن والاه، أما بعدُ:

أمَّا الطلاق البدعي، فالخلاف في وقوعه مشهور بين أهل العلم قديمًا وحديثًا، والراجح عندنا هو وقوعه كما بيَّنَّا في فتويين سابقَتَيْن بعنوان: "هل يقع الطلاق في الحيض؟"، و"حكم الطلاق في الطهر الذي جامع فيه".

أما استمرار حياتك الزوجية بعد الطلاق البدعي، فصحيح على مذهب مَن لَم يَرَ وقوعه من أهل العلم.

أمَّا عملك بفتوى الشيخ ابن باز - رحمه الله تعالى - في عدم وقوع الطلاق البدعي، فليس عملاً باطلاً، خاصة إذا أخذت بمذهبه وأنت مقتنع بأنه أقرب للصواب، ولَم تأخذ به لأجل البحث عن مخرج، وراجع لزامًا فتوى: "الطَّلاق البدعي".

ولا شك أن الشيخ ابن باز - رحمه الله – من أجلّ علماء الأمة المعاصرين، ومن أئمة أهل السنة المعروفين بالعلم، والدِّيانة، والورَع، ومُحاربة المبتدعين، فجزاه الله تعالى عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، ولعله مِن أَوْلَى مَن يؤخذ بقوله، ويُعمل بفتواه في كثير من المسائل.

أما خروجك عن مذهب الإمام مالك لمذهب الإمام أحمد، فالأصل أنه جائز؛ لأن الالتزام بمذهب معيَّن غير واجب، وكما قال الإمام مالك - رحمه الله -: كلُّ واحد يؤخذ من قوله ويترك إلا الرسول - صلى الله عليه وسلم.

ولهذا؛ كان بعض العلماء يقول: إجماعُهم حجَّة قاطعة، واختلافهم رحمةٌ واسعة، وكان عمر بن عبدالعزيز يقول: ما يسُرُّني أنَّ أصحاب رسول اللَّه - صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يختلفوا؛ لأنهم إذا اجتمعوا على قولٍ فخالفهم رجلٌ، كان ضالاًّ، وإذا اختلفوا فأخذ رجلٌ بقول هذا، ورجلٌ بقول هذا، كان في الأمر سعة.

قال ابن مفلح في "الفروع":

ومَن كان مُتَّبعًا لإمامٍ فخالفه في بعض المسائل؛ لقُوة الدليل، أو لكون أحدهما أعلم وأتقى - فقد أحسن ولم يُقدح في عدالته، بلا نزاعٍ. اهـ.

وقال: قال بعضُ الأصحاب: هل يلزمُ المُقلد التَّمذهُب بمذهبٍ، وامتناعُ الانتقال إلى غيره؟

فيه وجهان، وقال: عدمُ اللُّزُوم قولُ جُمهُور العُلماء، فيُخيَّر.

وقال في "إعلام الموقعين": "الصَّوابُ المقطوع به عدمُ اللُّزُوم"، اهـ.

أمَّا إذا كان ذلك للتشهِّي بما يناسب هواك، وتتبع رخص العلماء، أو علمت أن القول الذي تريد الأخذ به مخالف للدليل الشرعي - فعندئذٍ لا يجوز.

قال الإمام النووي في "روضة الطالبين وعمدة المفتين":

وليس له التمذهب بمجرد التشهِّي، ولا بما وجد عليه أباه، هذا كلام الأصحاب، والذي يقتضيه الدليل أنه لا يلزمه التمذهب بمذهب، بل يستفتي من شاء أو من اتفق، لكن من غير تلقط للرخص. اهـ.

وقال في "مطالب أولي النُّهَى في شرح غاية المنتهى":

ولزوم التَّمذهب بمذهبٍ، وامتناع الانتقال إلى غيره الأشهر عدمه، قال الإمام أحمد: لو عمل بقول أهل الكوفة في النّبيذ، وأهل المدينة في السّماع - يعني الغناء - وأهل مكّة في المتعة - لكان فاسقًا؛ لأخذه بالرُّخَص، وتتبّعه لها، قال القرافي المالكي: ولا نريد بالرخص ما فيه سهولة على المكلف، بل ما ضعف مدركه بحيث ينقض فيه الحكم، وهو ما خالف الإجماع أو النص أو القياس الجلي، أو خالف القواعد. اهـ.

أما قولك: إنَّ المفتي لا مذهب له، فخطأ، ولعلك تقصد أن العامي لا مذهب له، ومذهبه مذهب من يُفتيه.

ولمزيد من الفائدة؛ راجع فتوى: "استفتِ قلبك".

 وأخيرًا: فاعلم أن كل ما ينتابك من هواجس إنما هي من نزغات الشيطان؛ ليفسد عليك دينك ودنياك، ويُدخل الحزن إلى قلبك، فاصرف عنك هذا، واستعذ بالله، وراجع لزامًا الفتوى "الوسواس القَهْري"، والاستشارة: "الله أكبر، الحمد لله الذي ردَّ كيده إلى الوسوسة"، و"تركُ الذَّنب خوفًا من عقاب الله"،،

والله أعلم.