من المعلوم أن ما في الغد لا يعلمه إلا الله، طبقا لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: خمس لا يعلمهن إلا الله عز وجل: لا يعلم ما في غد إلا الله عز وجل. إذن كيف تسترق الشياطين السمع من الملائكة أحيانا، وتخبر الكهان عما يكون في المستقبل، والملائكة أساسا لا يعلمون ما في غد؟ سؤالي: كيف تسترق الشياطين أحيانا السمع، ممن لا يعلم ما في المستقبل؟ كذلك لدى سؤال آخر: قال النبي صلى الله عليه وسلم إن الغيبيات الخمس، ومنها ما تدري نفس ماذا تكسب غدا، لا يعلمها إلا الله. كيف لا يعلمها إلا الله، وهو قد أعطى علمها للملك الموكل بكتابة الرزق، والأجل، والعمل، وشقي، أو سعيد؟

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

 فإن الغيب نوعان؛ غيب مطلق لا يعلمه إلا الله، وغيب نسبي قد يطلع عليه بعض العباد.

وقد نفى الله علم الخلق بالغيب، وخص نفسه بعلمه. والمراد بهذا الغيب المطلق، وهو الذي لا يمكن اطلاع الخلق عليه؛ لقول الله تعالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ{آل عمران:179}. ولقوله تعالى: قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ {النمل:65}، وقال تعالى مخاطبا رسوله صلى الله عليه وسلم: قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ{ الأنعام: 50}، وقال تعالى: قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْر {الأعراف:188}, وقال تعالى: وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ {هود: 123}، وقال تعالى: وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي البَرِّ وَالبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ {الأنعام:59}، وقال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ {سبأ:3}.

وفي صحيح مسلم من حديث عائشة قالت: ومن زعم أنه ـ يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ يخبر بما يكون في غد، فقد أعظم على الله الفرية، والله يقول: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ {النمل:65}.
 وأما الغيب النسبي: فقد يعلمه بعض الخلق من الملائكة، والرسل بإخبار الله تعالى لهم، وقد يسمعه بعض الجن المسترقين للسمع عندما تتحدث الملائكة به، فقد قال الله تعالى: عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا* إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا{الجن:26-27}.

قال ابن كثير: وهذا يعم الرسول الملكي، والبشري. اهـ.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا قضى الله الأمر في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال: الحق وهو العلي الكبير. فيسمعها مسترق السمع، ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض، فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر، أو الكاهن، فربما أدرك الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة. فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا، كذا وكذا. فيصدق بتلك الكلمة التي سمع من السماء. رواه البخاري ومسلم.

 ويدخل في هذا ما أخبر الله به الملك من حال الجنين، فإن ذلك يخرجه عن دائرة الغيب المطلق، إلى دائرة الغيب النسبي.
قال ابن كثير: هذه مفاتيح الغيب التي استأثر الله تعالى بعلمها، فلا يعلمها أحد.. فعلم وقت الساعة لا يعلمه نبي مرسل، ولا ملك مقرب.. وكذلك إنزال الغيث لا يعلمه إلا الله، ولكن إذا أمر به علمته الملائكة، ومن يشاء الله من خلقه، وكذلك لا يعلم ما في الأرحام مما يريد أن يخلقه تعالى سواه، ولكن إذا أمر علمته الملائكة، ومن شاء الله من خلقه، وكذا لا تدري نفس ماذا تكسب غدا، وما تدري نفس بأي أرض تموت.. وقد وردت السنة بتسمية هذه الخمس مفاتيح الغيب. اهـ من  تفسير ابن كثير.

والله أعلم.