أرجو تفسيرا دقيقا، وواضحا لعبارة: "إذا لازمه كل الوقت، أو جله، أو نصفه، وتفصيل ذلك عندهم أن السلس لا ينقض إذا لازم نصف زمن أوقات الصلاة فأكثر، وأوقات الصلاة من الزوال إلى طلوع شمس اليوم" في المذهب المالكي، في مسألة السلس.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

 فقد فصل فقهاء المالكية مسألة السلس، فذكروا أنه ينقض الوضوء إن لازم أقل الزمن، ولا ينقض إن لازمه كل الزمن وأكثره، أو نصفه.

  فقد قال عليش في منح الجليل شرح مختصر خليل: (و) نقض الوضوء (بسلس) بفتح اللام، أي خارج بلا اختيار من بول، أو مذي، أو مني، أو ودي، أو غائط، أو ريح، أو هاد، أو دم استحاضة. ونعته بجملة (فارق) أي السلس الشخص، أي ارتفع عنه (أكثر) الزمن، أي ما زاد على نصفه، فإن لازمه كل الزمن، وأكثره، أو نصفه، فلا ينقضه. اهـ.

وقال الدردير في الشرح الكبير: ونقض بسلس فارق أكثر الزمان، ولازم أقله، فإن لازم النصف، وأولى الجل، أو الكل فلا ينقض. اهـ.

 وقال الحطاب في مواهب الجليل في شرح مختصر خليل: السلس على أربعة أقسام:

(الأول) أن يلازم ولا يفارق، فلا يجب الوضوء ولا يستحب؛ إذ لا فائدة فيه، فلا ينتقض وضوء صاحبه بالبول المعتاد. (الثاني) أن يكون ملازمته أكثر من مفارقته، فيستحب الوضوء، إلا أن يشق ذلك عليه لبرد، أو ضرورة، فلا يستحب. (الثالث) أن يتساوى إتيانه ومفارقته، ففي وجوب الوضوء واستحبابه قولان: قال ابن راشد القفصي: والمشهور لا يجب، وقال ابن هارون: الظاهر الوجوب.

(الرابع) أن تكون مفارقته أكثر، فالمشهور وجوب الوضوء، خلافا للعراقيين، فإنه عندهم مستحب. اهـ

واختلف في الزمن هل هو وقت الصلاة فقط، أو اليوم كله؟.

فقال المواق في شرح المختصر: (وفي اعتبار الملازمة في وقت الصلاة، أو مطلقا تردد) ابن عبد السلام: معنى الملازمة أن يأتيه البول مقدار ثلثي كل ساعة، ليلا ونهارا وقيل: إنما تعتبر ملازمته ومفارقته في أوقات الصلوات خاصة؛ لأنه الزمان الذي يخاطب فيه بالوضوء. اهـ.

وقال عليش في منح الجليل: ( وفي اعتبار الملازمة ) بمداومة، أو كثرة، أو مساواة، أو قلة، وصلة اعتبار ( في وقت ) جنس ( الصلاة) المفروضة، وهو من زوال الشمس إلى طلوعها من اليوم التالي؛ فإن ما بين الزوال والغروب وقت الظهرين، وما بين الغروب وطلوع الفجر وقت العشاءين، وما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس وقت الصبح. وعدم اعتبار ما بين طلوع الشمس وزوالها؛ فإنه ليس وقت صلاة مفروضة. وهذا قول ابن جماعة، واختاره ابن هارون، وابن فرحون والمنوفي، وابن عرفة.

( أو ) اعتبارها في الوقت ( مطلقا) عن تقييده بكونه وقت صلاة، فيعتبر ما بين طلوع الشمس وزوالها، وهذا قول البوذري، واختاره ابن عبد السلام ( تردد ) للمتأخرين في الحكم؛ لعدم نص المتقدمين عليه.

وتظهر فائدة الخلاف في فرض أوقات الصلوات مائتين وستين درجة، وغيرها مائة درجة، ولازم السلس فيها، وفي مائة من أوقات الصلوات، فينقض على الأول؛ لمفارقته الأكثر، ولا ينقض على الثاني؛ لملازمته الأكثر. فإن لازم وقت صلاة معينة فقط، نقض، وقضاها. كما أفتى به الناصر فيمن يطول زمن استبرائه حتى يخرج وقت الصلاة، وقال المنوفي: إذا انضبط وقت إتيانه، قدم الصلاة التي يأتي في وقتها، أو آخرها فيجمع المشتركين كالمسافر ونحوه. اهـ.
والله أعلم.