السؤال:

السلام عليكم. انا طالب في الثانوية. ملتزم. بطاعة الله. اصلي. أصوم. اقرأ القرءان. لكن في الآونة الأخيرة بعدما وفر لنا ابي الإنترنت في المنإلى . أصبحت استغلها في ما حرمه الله. أصبحت اتفرج في مواقع غير أخلاقية واتفرج على فيديوهات غير أخلاقية .ففي كل مرة اعاهد ربي واقسم له اني لن اعود الى هذه المعاصي الا انني اعود اليها وانقض عهدي بعد أيام ففي كل مرة اتوب لكن أعود الإلى المعصية هكذ حتى اصبحت اعصي ربي في الأشهر الحرم حتى أنني أصبحت اتفرج على تلك الفيديوهات الخليعة في شهر رمضان.فانا الان في ضيق وهم وحزن وأخشى أن يطردني ربي من رحمته لاني اعتبر نفسي متخطيا ومنافقا. خاصة بعدما عصيته في احدى ليالي هذا رمضان وصلاة التروايح تؤدى في المسجد. وأخشى أن افشل في دراستي ولن اوفق فيها بسبب هذه المعاصي وان لا يستجاب دعائي

الإجابة:

الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصَحْبِه ومَن والاه، أمَّا بعدُ:

فإن مشاهدة المواقع الإباحية محرم من كل وجه، وتكمن خطورته في فتح باب الشر على مصراعيها حتى تطلب النفس فعل الفاحشة الكبر، وهو من هذا الوجه قد يصل حد الكبائر أو يزيد.

وتزداد تلك المعصية خبثًا وسوءًا إذا كانت مشاهدتُها في رمضان؛ لما في ذلك من انتِهاك حرمة الشَّهر الفضيل، ومنافاة المقْصود من الصَّوم، وهو تحقيق تقْوى الله - سبحانه وتعالى - كما قال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183].

وفي الصَّحيحين: "إنَّما الصَّوم جُنَّةٌ، فإذا كان أحدُكم صائمًا فلا يَرفُثْ ولا يَجهل، وإنِ امرؤ قاتَلَه أو شاتمَه، فليقلْ: إنِّي صائم، إنِّي صائم".

والمراد بالرَّفَث: الكلام الفاحِش، ويُطْلق على الجِماع وعلى مقدِّماته، وعلى ذكْره مع النساء، ورؤية الفاحشة أوْلى وأحْرى.

وكذلك قولُه: "ولا يَجهل"؛ أي: لا يفعل شيئًا من أفْعال أهل الجهْل، ومن أجهل الجهل مشاهدة تلك البلايا المفسدة للدين والدنيا، والمذهبة للحياء.

وروى البُخاريُّ عن أبي هُرَيرة - رضي الله عنه - عنِ النَّبيِّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - قال: "مَن لَم يدع قولَ الزُّور والعمل به والجهْل، فليس لله حاجةٌ أن يدَع طعامَه وشرابه".

ولكن على الرغم من قبح تلك المعصية فإن التوبة الصادقة تكفرها، والاستغفار والندم على الوقوع في الذنب، والعزم على عدم العود للذنب، فإذا فعل ذلك كانت التوبة مقبولة بإذن الله، ولو عاد فعليه أن يتوب مرة أخرى ولا يصر على الذنب؛ لأن الإصرار ذنب مستقل تعظم به الصغيرة حتى تصبح من الكبائر؛ كما قال حبر الأمة وترجمان القرآن عبدالله بن عباس لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار.

أما العودة إلى الذنب كل مرة بعد التوبة والندم فله سبب بينه شيخ الإسلام  في مجموع الفتاوى (16/ 58):

"فالتوبة النصوح هي الخالصة من كل غش، وإذا كانت كذلك كائنة فإن العبد إنما يعود إلى الذنب لبقايا في نفسه فمن خرج من قلبه الشبهة والشهوة لم يعد إلى الذنب فهذه التوبة النصوح وهي واجبة بما أمر الله تعالى؛ ولو تاب العبد ثم عاد إلى الذنب قبل الله توبته الأولى ثم إذا عاد استحق العقوبة فإن تاب تاب الله عليه أيضا. ولا يجوز للمسلم إذا تاب ثم عاد أن يصر؛ بل يتوب ولو عاد في اليوم مائة مرة فقد روى الإمام أحمد في مسنده عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إن الله يحب العبد المفتن التواب} وفي حديث آخر: {لا صغيرة مع إصرار ولا كبيرة مع استغفار} وفي حديث آخر: {ما أصر من استغفر ولو عاد في اليوم مائة مرة}"

وقال ابن الجوزي في المدهش (ص: 161):

"يا هذا دبر دينك كما دبرت دنياك لو علق بثوبك مسمار رجعت إلى وراء لتخلصه هذا مسمار الأضرار قد تشبث بقلبك فلو عدت إلى الندم خطوتين تخلصت".

 هذا؛ ومما يعين على التخلص من الدخول على تلك المواقع أمور ألخصها لك:

 منها استحضار العقل وإعمال الفكر وعدم الاسترسال مع تغيبه عند غلبة الشهوة التي تغطي عين الفكر، فلا يفكر في عواقب الأمور والتي منها شؤم المعصية، وتلك الوحشة الرهيبة في القلب بعد ارتكاب المحرم.

إنما فضل العقل بتأمل العواقب؛ فأما القليل العقل؛ فإنه يرى الحال الحاضرة، ولا ينظر إلى عاقبتها، فإن اللص يرى أخذ المال، وينسى قطع اليد! والبطال يرى لذة الراحة، وينسى ما تجني من فوات العلم وكسب المال، فإذا كبر فسئل عن علم؛ لم يدر، وإذا احتاج، سأل؛ فذل، فقد أربى ما حصل له من التأسف على لذة البطالة، ثم يفوته ثواب الآخرة بترك العمل في الدنيا. وكذلك شارب الخمر، يلتذ تلك الساعة، وينسى ما يجني من الآفات في الدنيا والآخرة! وكذلك الزنا؛ فإن الإنسان يرى قضاء الشهوة، وينسى ما يجني من فضيحة الدنيا والحد؛ قاله ابن الجوزي في صيد الخاطر (ص: 486)

منها: المواظبة على ما يعتصم به من الشيطان وتطرده ويستدفع شره ويحترز كآية الكرسي فمن قرأها عند النوم لم يقربه شيطان، وأن من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة كفتاه، والمداومة على قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، مائة مرة صباحا ومساءا فمن قالهن كانت له حرزاً من الشيطان يومه كله. ومن أعظم ما يندفع به شره قراءة المعوذتين، وكان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول «أعوذ بالله السميع العليم، من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه»، وأول الصافات وآخر الحشر.

 منها العمل على زيادة الإيمان بالمواظبة على الأعمال الصالحة؛ فالإنسان لا يفعل الحرام إلا لضعف إيمانه ومحبته وإذا فعل مكروهات الحق فلضعف بعضها في قلبه أو لقوة محبتها التي تغلب بعضها فالإنسان لا يأتي شيئا من المحرمات كالفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق والشرك بالله مالم ينزل به سلطانا والقول على الله بغير علم إلا لضعف الإيمان في أصله أو كماله أو ضعف العلم والتصديق وإما ضعف المحبة والبغض، لكن إذا كان أصل الإيمان صحيحا وهو التصديق فإن هذه المحرمات يفعلها المؤمن مع كراهته وبغضه لها فهو إذا فعلها لغلبة الشهوة عليه فلا بد أن يكون مع فعلها فيه بغض لها وفيه خوف من عقاب الله عليها وفيه رجاء لأن يخلص من عقابها إما بتوبة وإما حسنات وإما عفو وإما دون ذلك وإلا فإذا لم يبغضها ولم يخف الله فيها ولم يرج رحمته فهذا لا يكون مؤمنا بحال بل هو كافر أو منافق". قاله شيخ الإسلام في قاعدة في المحبة (ص: 104)

ومنها: مراقبة الله تعالى وهو مقام الإحسان أعلى مراتب الدين فإن عجزت عنه فالمقام الوسط وهو مقام الإيمان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: عن الإحسان، قال: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»، فتيقن العبد باطلاع الحق سبحانه وتعالى على ظاهره وباطنه وأنه رقيب عليه، ناظر إليه، سامع لقوله مطلع على عمله كل وقت وكل لحظة، وكل نفس وكل طرفة عين، فمن راقب الله هكذا عصمه الله من الوقوع في الحرام.

ومنها: المؤمن بالله واليوم الآخر يفعل ما يحبه الله ورسوله وينهى عما يبغضه الله ورسوله ومن لم يؤمن بالله واليوم الآخر فإنه يتبع هواه، فتارة تغلب عليه الرأفة هوى، وتارة تغلب عليه الشدة هوى فيتبع ما يهواه في الجانبين بغير هدى من الله؛ {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ } [القصص: 50]، فإن الزنا من الكبائر وأما النظر والمباشرة فاللمم منها مغفور باجتناب الكبائر فإن أصر على النظر أو على المباشرة صار كبيرة، وقد يكون الإصرار على ذلك أعظم من قليل الفواحش؛ فإن دوام النظر بالشهوة وما يتصل به من العشق والمعاشرة والمباشرة، قد يكون أعظم بكثير من فساد زنا لا إصرار عليه؛ ولهذا قال الفقهاء في الشاهد العدل: أن لا يأتي كبيرة ولا يصر على صغيرة، وفي الحديث المرفوع: "لا صغيرة مع إصرار ولا كبيرة مع استغفار}،  بل قد ينتهي النظر والمباشرة بالرجل إلى الشرك؛ كما قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} [البقرة: 165]، قاله شيخ الإسلام ابن تيمية مجموع الفتاوى (15/ 292-293).

إذا عرفت هذا فاصدق مع الله في التوبة يصدقك بالمغفرة والتوفيق، فإن الله لا يتعاظمه ذنب أن يغفره، واستعن بالله ولا تعجز، وابتعد عن أسباب المعصية، وخذ تفسك بالحزم،، والله أعلم.