السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته لقد كنت احفظ حوالى خمس اجزاء من القرآن كنت مجتهدة فى الحفظ لكنى انقطعت عن حفظه نظرا لامتحاناتى وبعد فراغ امتحاناتىوجدت نفسى نسيت الذى احفظه وانا الآن اجد صعوبة كبيرة فى حفظ القرآن عامة فانا بطبيعتى سريعة النسيان فاذا حفظت اليوم سورة انساها فى اليوم التالى مباشرة وزملائي الذين كنت اسبقهم فى الحفظ الآ ختموا القرآن وانا مازالت على حالى وانا اريد بل اتمنى بشدة ان احفظ القرآن لكنى انساه فما الحكم فى ذلك وهل ذلك غضب من الله على وعدم رضا وما هو الحل لذلك وشكرا

الإجابة:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:

فإن إهمال قراءة القرآن ودراسته حتى يُنسى من الذنوب، وفُسر قوله تعالى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ}[المزمل: 2] بقراءته بالليل لئلا ينساه.

وقد وردت أحاديث كثيرة تحث على تعاهد القرآن خشية النسيان، وتحذر الغفلة عنه، ففي الصحيحن عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنما مثل صاحب القرآن كمثل الإبل المعقلة، إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت"، وزاد مسلم في حديث موسى بن عقبة: "وإذا قام صاحب القرآن فقرأه بالليل والنهار ذكره، وإذا لم يقم به نسيه".

وفيهما عن أبي موسى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " تعاهدوا القرآن، والذي نفسي بيده لهو أشد تفصياً من الإبل في عُقلها".

وخص الإبل بالذكر؛ لأنها أشد الحيوانات الإنسية نفوراً، فشبه درس القرآن واستمرار التلاوة بربط البعير الذي يخشى منه الفرار، فإن تعاهد التلاوة حصن الحفظ، كما يحفظ البعير بالربط بالعقال.

وفي الصحيحين عن عبد الله، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "بئس ما لأحدهم أن يقول نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وكيت، بل نُسِّيَ، واستذكروا القرآن، فإنه أشد تَفَصِّيًا من صدور الرجال من النَّعَمِ بِعُقُلِهَا"، التفصي: الانفصال، يعنى: التفلت.  

قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري"(9/ 86)":

"واختلف السلف في نسيان القرآن فمنهم من جعل ذلك من الكبائر؛ وأخرج أبو عبيد من طريق الضحاك بن مزاحم موقوفًا قال: "ما من أحد تعلم القرآن ثم نسيه إلا بذنب أحدثه؛ لأن الله يقول {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ } [الشورى: 30]، ونسيان القرآن من أعظم المصائب"، واحتجوا أيضًا بما أخرجه أبو داود والترمذي من حديث أنس مرفوعًا: "عرضت علي ذنوب أمتي، فلم أر ذنبًا أعظم من سورة من القرآن أوتيها رجل ثم نسيها"؛ في إسناده ضعف، وقد أخرج بن أبي داود من وجه آخر مرسل نحوه، ولفظه: "أعظم من حامل القرآن وتاركه"، ومن طريق أبي العالية موقوفًا: "كنا نعد من أعظم الذنوب أن يتعلم الرجل القرآن ثم ينام عنه حتى ينساه"؛ وإسناده جيد، ومن طريق بن سيرين بإسناد صحيح، في الذي ينسى القرآن كانوا يكرهونه ويقولون فيه قولاً شديدًا، ولأبي داود عن سعد بن عبادة مرفوعًا: "من قرأ القرآن ثم نسيه لقي الله وهو أجذم"؛ وفي إسناده أيضًا مقال، وقد قال به من الشافعية أبو المكارم والروياني؛ واحتج بأن الإعراض عن التلاوة يتسبب عنه نسيان القرآن، ونسيانه يدل على عدم الاعتناء به والتهاون بأمره.

 وقال القرطبي: من حفظ القرآن أو بعضه فقد علت رتبته بالنسبة إلى من لم يحفظه، فإذا أخل بهذه الرتبة الدينية حتى تزحزح عنها ناسب أن يعاقب على ذلك، فإن ترك معاهدة القرآن يفضي إلى الرجوع إلى الجهل، والرجوع إلى الجهل بعد العلم شديد.

 وقال إسحاق بن راهويه: يكره للرجل أن يمر عليه أربعون يومًا لا يقرأ فيها القرآن؛ ثم ذكر حديث عبد الله وهو بن مسعود بئس ما لأحدهم أن يقول نسيت آية كيت وكيت". اهـ.

 وقال الإمام ابن كثير في تفسير ابن كثير ت سلامة (1/ 73)

 "فإن الإعراض عن تلاوة القرآن وتعريضه للنسيان وعدم الاعتناء به، فيه تهاون كثير وتفريط شديد، نعوذ بالله منه؛ ولهذا قال عليه السلام: "تعاهدوا القرآن"، وفي لفظ: "استذكروا القرآن، فإنه أشد تفصيًا من صدور الرجال من النعم"،

التفصي: التخلص، يقال: تفصى فلان من البلية: إذا تخلص منها، ومنه: تفصى النوى من التمرة: إذا تخلص منها، أي: إن القرآن أشد تفلتًا من الصدور من النعم إذا أرسلت من غير عقال". اهـ.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (13/ 423):

"فإن نسيان القرآن من الذنوب، فإذا قصد بالقرآن أداء الواجب عليه من دوام حفظه للقرآن، واجتناب ما نهي عنه من إهماله حتى ينساه: فقد قصد طاعة الله فكيف لا يثاب".

إذا تقرر هذا؛ فيجب عليك تعاهد مراجعة القرآن، والاستعانة بالله على تقوية الحفظ، وأكثري من الاستغفار والأعمال الصالحة، والصلاة بما تحفظين،، والله أعلم.