أنا رجل متزوج منذ أربع عشرة سنة، ولديّ ثلاث بنات، وأريد فتوى في أمر يتعلق بخلاف دائم بيني وبين زوجتي، يتلخص في هذه الأمور: أولًا: إذا احتدّ النقاش بيننا، ورفعت صوتي عليها، فإنها ترى أن من حقًها أن ترفع صوتها عليَّ بالمثل، وإذا غضبت وأشحت بيدي، أو بدر مني لفظ ترى أنه من حقها فعل مثل هذا معي، وعندما أقول لها: لا يجوز للمرأة فعل ذلك مع زوجها، وإنما يمكنها أخذ حقها عندما يهدأ، أو بطريقة أخرى، فإنها ترفض هذا الكلام. ثانيًا: أنها تغضب جدًّا عندما نختلف في رأي، وأقول لها: إن الكلمة الأخيرة في البيت لي أنا، وإن ذلك حقي الشرعي، فتقول: إنها بذلك ليس لها أيّ أهمية، ورأيها بهذا المنطق ليس له أيّ فائدة. ثالثًا: أنها عندما تخطئ في حق أحد من أهلي دون قصد، تجمع لنفسها المبررات، وتقول: إنها لا تقصد، وإذا حدث العكس، فلا تلتمس لهم أيَّ أعذار، وتقول: إنها على يقين بأنهم يقصدون فعل السيئ معها، دون أن يكون لديها أيّ إثبات سوى تحليلها لبعض المواقف السابقة. رابعًا: تريدني لها ولبناتها دون والديّ، وإخوتي، وتريد أن لا أتدخل في المشاكل التي تخصهم؛ بحجة أن ذلك يتعبني، ويرهقني ذهنيًّا وبدنيًّا، علمًا أنها تجتهد في علوم الدين، وتحفظ القرآن، وهي ليست سليطة اللسان. فأرجو منكم إسداء النصح لي ولها، وبيان الحكم الشرعي فيما يتعلق بنقاط الخلاف التي ذكرتها. جزاكم الله خيرًا.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

 فنصيحتنا لك ولزوجتك أن يقوم كل منكما بحقّه الذي أوجبه الله عليه نحو صاحبه، ويعاشره بالمعروف، ويحرص على مودته، ويصبر عليه، ويتجاوز عن هفواته.

ونصيحتنا لك: أن تحسن إلى زوجتك، ولا ترفع صوتك عليها، أو تسيء إليها بقول، أو فعل دون مسوّغ، وأن تضبط نفسك، ولا تسترسل مع الغضب، وأن تقدّم الرفق على الشدة، ما كان له موضعًا، فقد أوصى الشرع بالإحسان إلى الزوجة، والرفق بها، فقال صلى الله عليه وسلم: ... اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا. متفق عليه. وقال: خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي. رواه الترمذي.

وننصحك أن تجمع بين برّ أهلك وإحسان عشرة زوجتك، وتكون حكيمًا، وساعيًا إلى الإصلاح بين أهلك وزوجتك بالرفق، والمداراة، فمن المداراة أن تخفي عن زوجتك ما تقدر على إخفائه من إحسانك، ورعايتك لأهلك.

ونصيحتنا لزوجتك أن تطيعك في المعروف، ولا ترفع صوتها عليك، وأن تعلم أنّ لزوجها عليها القوامة، وأنّ حقّه عليها عظيم، فعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها. رواه الترمذي.

وأن تعلم أنّ طاعتها لزوجها في المعروف، وحسن تبعلها له من أفضل الأعمال التي تقربها إلى الله، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا صلت المرأة خمسها، وحصّنت فرجها، وأطاعت بعلها، دخلت من أي أبواب الجنة شاءت. رواه ابن حبان في صحيحه.

وننصحها أن تحسن إلى أهلك، وتتجاوز عن زلاتهم، ولا تسيئ الظنّ بهم، وأن تحضّك، وتعينك على برّهم، وصلتهم.

وبخصوص نقاط الخلاف المذكورة في ، فإنّ رفع الزوجة صوتها على زوجها، أو إساءتها إليه، إذا كان ردًّا على رفع صوته، أو إساءته إليها بغير حقّ، فقد قال بعض أهل العلم بجواز ذلك، وراجع الفتوى: 312607.

لكن لا ننصح بذلك؛ لما يؤدي إليه ذلك من اتساع هوة الخلاف، والشقاق، وفتح الباب للشيطان لمزيد من الإفساد بين الزوجين.

وأمّا كون الكلمة الأخيرة في البيت للزوج، فهذا صحيح، فلا بد لاستقامة الحياة الزوجية من قائد مطاع، يرعى مصالح البيت، وهذا هو معنى القوامة، التي جعلها الله للزوج.

وكون الزوج يتشاور مع زوجته، ويتفاهم معها، لا يعني أن يلزم بالعمل برأيها، وهذا لا يعني الاستهانة برأيها، أو تحقير شأنها.

والأصل إحسان الظن بالمسلمين، وحمل أقوالهم، وأفعالهم على أحسن المحامل، ومن أخطأ في حق غيره، فعليه أن يعتذر منه.

وليس من حقّ الزوجة منع زوجها من رعاية أهله، والانشغال بأمورهم، ما دام قائمًا بحق زوجته، وأولاده، بل ينبغي عليها أن تعينه على ذلك؛ لما فيه من الأجر، والثواب، والبركة، التي تعود على الأسرة بالخير في الدنيا، والآخرة.

والله أعلم.