السؤال: لماذا خلق الله تعالى الإنسان
الإجابة:

 الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

فإنَّ اللهَ تعالى له كمال العِلم والحِكمة واللُّطْفِ؛ قال تعالى: {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ}[الأنعام:149]، وصلتْ حِكمتُه إلى حيثُ وصلتْ قُدرتُه، وله في كُلِّ شيءٍ حكمةٌ باهرة، كما أَنَّ له فيه قُدرةً قاهِرة، وعُقولُ الخلق أَعْجَزُ وأَضْعَفُ وأَقْصَرُ من أَنْ تُحِيطَ بعلمه وحكمته في شيء من خلْقه إلا ما يعلمه الله به،

{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30]

حتى ملائكة الرحمن خفيت عليهم وجه الحكمة من خلق البشر، لعلمهم أنه سبحانه لا يفعل شيئًا إلا لحكمة، فلما رأوا أن خلق هذا الخليفة مناف للحكمة في الظاهر،  فسألوه عن الحكمة من وراء ذلك؛ لأنهم علموا أنه سيقع من بني آدم إفساد، وسفك دماء، وعصيان، وكفر؛ قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30].

فأخبرهم سبحانه، أن من وراء خلقه لآدم حِكَماً لا يعلمونها، وأن الخير الحاصل بخلق الإنسان أضعاف أضعاف ما في ضمنه من الشر فلو، ولم يكن في ذلك إلا اجتباء الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، وحصول العبوديات التي لم تكن تحصل بدون خلق هذا الإنسان، كالجهاد والتوبة وتحكيم شرعه وغيرها، وليظهر ما كمن في غرائز بني آدم من الخير والشر بالامتحان، وليتبين عدوه من وليه، وحزبه من حربه، وليظهر ما كمن في نفس إبليس من الشر الذي انطوى عليه.

{ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } [الذاريات: 56]، وقال تعالى: { الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} [الملك: 2]، وأنكر سبحانه على من ظن عدم الحكمة من الخلق فقال: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ} [المؤمنون: 115، 116].

قال الإمام ابن القيم في كتابه "بدائع الفوائد" (4/ 137-139) -بعدما ذكر آية سورة البقرة-:

"فهذه كالمناظرة من الملائكة والجواب عن سؤالهم، كأنهم قالوا: إن استخلفت في الأرض خليفة كان منه الفساد وسفك الدماء، وحكمتك تقتضي أن لا تفعل ذلك، وإن جعلت فيها فتجعل فيها من يسبح بحمدك ويقدس لك، ونحن نفعل ذلك، فأجابهم تعالى عن هذا السؤال: بأن له من الحكمة في جعل هذا الخليفة في الأرض ما لا تعلمه الملائكة، وإن وراء ما زعمتم من الفساد مصالح وحكمًا لا تعلمونها أنتم، وقد ذكرنا منها قريبا من أربعين حكمة في كتاب التحفة المكية. فاستخرج تعالى من هذا الخليفة وذريته الأنبياء والرسل والأولياء والمؤمنين، وعمَّر بهم الجنة، وميز الخبيث من ذريته من الطيب فعمر بهم النار.

وكان في ضمن ذلك من الحكم والمصالح ما لم يكن للملائكة تعلمه، ثم إنه سبحانه أظهر فضل الخليفة عليهم بما خص به من العلم الذي لم تعلمه الملائكة، وأمرهم بالسجود له تكريمًا له وتعظيمًا له وإظهار لفضله.

وفي ضمن ذلك من الحكم ما لا يعلمه إلا الله:

 فمنها امتحانهم بالسجود لمن زعموا أنه يفسد في الأرض ويسفك الدماء،  فأسجدهم له، وأظهر فضله عليهم لما أثنوا على أنفسهم وذموا الخليفة.

ومنها: خبره لهذا الخليفة وابتداؤه له بالإكرام والإنعام؛ لما علم مما يحصل له من الانكسار والمصيبة والمحنة فابتدأه بالجبر والفضل، ثم جاءت المحنة والبلية والذل، وكانت عاقبتها إلى الخبر والفضل والإحسان، فكانت المصيبة التي لحقته محفوفة بإنعامين: إنعام قبلها وبعدها، ولذريته المؤمنين نصيب مما لأبيهم فإن الله تعالى أنعم عليهم بالإيمان ابتداء، وجعل العاقبة لهم فما أصابهم بين ذلك من الذنوب والمصائب فهي محفوفة بإنعام قبلها وإنعام بعدها، فتبارك الله رب العالمين.

ومنها: استخراجه تعالى ما كان كامنًا في نفس عدوه إبليس من الكبر والمعصية الذي ظهر عند أمره بالسجود؛ فاستحق اللعنة والطرد والإبعاد على ما كان كامنًا في نفسه عند إظهاره، والله تعالى كان يعلم منه ولم يكن ليعاقبه ويلعنه على علمه فيها بل على وقوع معلومه، فكان أمره بالسجود له مع الملائكة مظهرًا للخبث والكفر الذي كان كامنًا فيه ولم تكن الملائكة تعلمه، فأظهر لهم سبحانه ما كان يعلمه وكان خافيًا عنهم من أمره، فكان في الأمر بالسجود له تكريمًا لخليفته الذي أخبرهم بجعله في الأرض، وجبرًا له وتأديبًا للملائكة وإظهارًا لما كان مستخفيًا في نفس إبليس، وكان ذلك سببا لتمييز الخبيث من الطيب، وهذا من بعض حكمه تعالى في إسجادهم لآدم.

 ثم إنه سبحانه لما علم أدم ما علمه ثم امتحن الملائكة بعلمه فلم يعلموه فأنبأهم به آدم وكان في طي ذلك جوابًا لهم عن كون هذا الخليفة لا فائدة في جعله في الأرض فإنه يفسد فيها ويسفك الدماء، فأراهم من فضله وعلمه خلاف ما كان في ظنهم". اهـ. مختصرًا.

وقال في "شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل" (ص: 242): "... ثم أظهر سبحانه من علمه وحكمته الذي خفي على الملائكة من أمر هذا الخليفة ما لم يكونوا يعرفونه، بأن جعل من نسله من أوليائه وأحبائه ورسله وأنبيائه من يتقرب إليه بأنواع التقرب ويبذل نفسه في محبته ومرضاته، يسبح بحمده أناء الليل وأطراف النهار، ويذكره قائمًا وقاعدًا وعلى جنبه، ويعبده ويذكره ويشكره في السراء والضراء والعافية والبلاء والشدة والرخاء، فلا يثنيه عن ذكره وشكره وعبادته شدة ولا بلاء ولا فقر ولا مرض، ويعبده مع معارضة الشهوة وغلبات الهوى وتعاضد الطباع لأحكامها، ومعاداة بني جنسه وغيرهم له فلا يصده ذلك عن عبادته وشكره وذكره والتقرب إليه، فإن كانت عبادتكم لي بلا معارض ولا ممانع فعبادة هؤلاء لي مع هذه المعارضات والموانع والشواغل. وأيضًا فإنه سبحانه أراد أن يظهر لهم ما خفي عليهم من شأن ما كانوا يعظمونه ويجلونه ولا يعرفون ما في نفسه من الكبر والحسد والشر، فذلك الخير وهذا الشر كامن في نفوس لا يعلمونها فلا بد من إخراجه وإبرازه؛ لكي يعلم حكمة أحكم الحاكمين في مقابلة كل منهما بما يليق به.

 وأيضًا فإنه سبحانه لما خلق خلقه أطوارًا وأصنافًا، وسبق في حكمه وحكمته تفضيل آدم وبنيه على كثير ممن خلق تفضيلاً، جعل عبوديتهم أكمل من عبودية غيرهم، وكانت العبودية أفضل أحوالهم وأعلى درجاتهم - أعني العبودية الاختيارية التي يأتون بها طوعًا واختيارًا لا كرها واضطرارًا- ولهذا أرسل الله جبريل إلى سيد هذا النوع الإنساني يخيّره بين أن يكون عبدًا رسولاً أو ملكًا نبيًا، فاختار بتوفيق ربه له أن يكون عبدًا رسولاً؛ فلما كانت العبودية أشرف أحوال بني آدم وأحبها إلى الله، وكان لها لوازم وأسباب مشروطة لا يحصل إلا بها، كان من أعظم الحكمة أن أخرجوا إلى دار تجري عليهم فيها أحكام العبودية وأسبابها وشروطها وموجباتها، فكان إخراجهم من الجنة تنكيلاً لهم وإتمامًا لنعمته عليهم، مع ما في ذلك من محبوبات الرب تعالى، فإنه يحب إجابة الدعوات وتفريج الكربات وإغاثة اللهفات ومغفرة الزلات وتكفير السيئات ودفع البليات، وإعزاز من يستحق العز وإذلال من يستحق الذل، ونصر المظلوم وجبر الكسير ورفع بعض خلقة على بعض وجعلهم درجات؛ ليعرف قدر فضله وتخصيصه، فاقتضى ملكه التام وحمده الكامل أن يخرجهم إلى دار يحصل فيها محبوباته سبحانه، وإن كان لكثير منها طرق وأسباب يكرهها، فالوقوف على الشيء لا بدونه وإيجاد لوازم الحكمة من الحكمة، كما أن إيجاد لوازم العدل من العدل.

إلى أن قال: أنه سبحانه أبرز خلقه من العدم إلى الوجود؛ ليجري عليه أحكام أسمائه وصفاته، فيظهر كماله المقدس، وإن كان لم يزل كاملاً، فمن كماله ظهور آثار كماله في خلقه وأمره وقضائه وقدره ووعده ووعيده ومنعه وإعطائه، وإكرامه وإهانته وعدله وفضله وعفوه وإنعامه وسعة حلمه وشدة بطشه، وقد اقتضى كماله المقدس سبحانه أنه كل يوم هو في شأن، فمن جملة شؤونه أن يغفر ذنبا ويفرج كربا ويشفي مريضًا ويفك عانيًا وينصر مظلومًا، ويغيث ملهوفًا ويحبر كسيرًا ويغني فقيرًا ويجيب دعوة، ويقيل عثرة ويعز ذليلاً ويذل متكبرًا ويقصم جبارًا، ويميت ويحيي ويضحك ويبكي ويخفض ويرفع ويعطي ويمنع، ويرسل رسله من الملائكة ومن البشر في تنفيذ أوامره، وسوق مقاديره التي قدرها إلى مواقيتها التي وقتها لها؛ وهذا كله لم يكن ليحصل في دار البقاء وإنما اقتضت حكمته البالغة حصوله في دار الامتحان والابتلاء يوضحه". اهـ. مختصرًا

هذا؛ والله أعلم.