جزاكم الله الخير على ماتقدمونه من فائدة ونفع وخير للمسلمين، ونفع الله بنا وبكم الإسلام والمسلمين، وجمعنا في الفردوس الأعلى من جنته، وهو القادر على ذلك، وهو أرحم الراحمين، لا إله إلا هو سبحانه وتعالى: هل توجد قبل وأحضان في الجنة كما هو الحال في الدنيا؟ وهل يستطيع أن يقبل الرجل زوجته في الجنة من شفتيها؟ ولو دخل رجل الجنة وفي جنته مثلا مليون قصر، فهل تكون جميع قصور هذا الرجل في الجنة مسكونة ويوجد بها الحور العين؟ وهل يختلفن من قصر لآخر؟ أم كل قصر تكون فيه حورية جديدة ومختلفة عن الأخرى؟ أم تكون فارغة وتتواجد الحور العين فقط في القصر الذي يدخله هذا الرجل؟.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فنصح الأخ السائل بالحرص على العلم الذي ينفعه ويقربه إلى ربه سبحانه، وأن يتجافى عن مثل هذه الأسئلة الغريبة المتكلفة الممجوجة، فقد جاء في الحديث الذي في الصحيحين: يكره لكم قيل، وقال وكثرة ، وإضاعة المال.

قال ابن حجر: واستدل به على النهي عن كثرة المسائل والتعمق في ذلك، قال البغوي في شرح السنة: المسائل على وجهين: أحدهما: ما كان على وجه التعليم لما يحتاج إليه من أمر الدين، فهو جائز، بل مأمور به، لقوله تعالى: فاسألوا أهل الذكر ـ الآية، وعلى ذلك تتنزل أسئلة الصحابة عن الأنفال والكلالة وغيرهما، ثانيهما: ما كان على وجه التعنت والتكلف وهو المراد في هذا الحديث، والله أعلم، ويؤيده ورود الزجر في الحديث عن ذلك وذم السلف، فعند أحمد من حديث معاوية أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الأغلوطات، قال الأوزاعي: هي شداد المسائل، وقال الأوزاعي أيضا: إن الله إذا أراد أن يحرم عبده بركة العلم ألقى على لسانه المغاليط، فلقد رأيتهم أقل الناس علما. اهـ.

وفي جامع بيان العلم وفضله عن الحسن أنه قال: إن شرار عباد الله الذين يجيئون بشرار المسائل يعنتون بها عباد الله.

وفي الآداب الشرعية لابن مفلح: فصل في كراهة عن الغرائب وعما لا ينتفع ولا يعمل به وما لم يكن، وذكر تحته آثارا عن الإمام أحمد منها: قال المروزي قال أبو عبد الله: سألني رجل مرة عن يأجوج ومأجوج أمسلمون هم؟ فقلت له أحكمت العلم حتى تسأل عن ذا؟ ونقل أحمد بن أصرم عن أحمد أنه سئل عن مسألة في اللعان فقال سل رحمك الله عما ابتليت به، وقال أحمد بن حيان القطيعي: دخلت على أبي عبد الله فقلت: أتوضأ بماء النورة؟ فقال ما أحب ذلك، فقلت: أتوضأ بماء الباقلا، قال: ما أحب ذلك، قال: ثم قمت فتعلق بثوبي وقال: أيش تقول إذا دخلت المسجد؟ فسكت، فقال: أيش تقول إذا خرجت من المسجد؟ فسكت، فقال: اذهب فتعلم هذا، قال ابن مفلح: وقد تضمن ذلك أنه يكره عند أحمد عما لا ينفع السائل ويترك ما ينفعه ويحتاجه. اهـ.

وحسب المسلم أن يعلم أن الجنة يكرم الله فيها عباده المؤمنين بأنواع النعيم، وأن كل ما يشتهيه المؤمن من النعيم يجده فيها، كما قال تعالى: نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ {فصلت:31}.

وكما قال سبحانه: يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ {الزخرف:71}.

قال ابن سعدي: وَفِيهَا ـ أي: الجنة ـ مَا تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وَتَلَذُّ الأعْيُنُ، وهذا لفظ جامع، يأتي على كل نعيم وفرح، وقرة عين، وسرور قلب، فكل ما اشتهته النفوس، من مطاعم، ومشارب، وملابس، ومناكح، ولذته العيون، من مناظر حسنة وأشجار محدقة، ونعم مونقة، ومبان مزخرفة، فإنه حاصل فيها، معد لأهلها، على أكمل الوجوه وأفضلها. اهـ.

فالذي ينبغي للمسلم أن يصرف همته له: هو دخول الجنة وعلو درجته فيها، بالإكثار من صالح العمل، والضراعة إلى الله بأن يبلغه منازل العلى من الجنة، كما أرشد رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: إذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة... رواه البخاري.

وأما التقعر بالسؤال عن تفاصيل نعيم الجنة مما لم يرد في النصوص فليس من شأن المؤمن العاقل.

والله أعلم.