الجواب : 

الحمد لله

يلزم المستعير أن يحافظ على العارية كما يحفظ ماله وأشد؛ لأنها أمانة في يده.

فلو احتاج إلى أن يودعها، لسفره مثلا مع غيبة صاحبها أو عدم التمكن من إعادتها له، جاز الإيداع ؛ لأنه وسيلة للحفظ المأمور به.

وللفقهاء تفصيل في ذلك:

1-فالمشهور عند الحنفية أن المستعير يملك الإيداع، بعذر وبغير عذر؛ لأنه يملك أن يعير العارية، والإعارة فوق الإيداع، فإذا جاز الأعلى جاز الأدنى.

جاء في "درر الحكام شرح مجلة الأحكام" (2/ 372): " (للمستعير أن يودع العارية عند آخر، فإذا هلكت في يد المستودع بلا تعد ولا تقصير لا يلزم الضمان.

مثلا : إذا استعار دابة على أن يذهب بها إلى محل كذا ، ثم يعود ، فوصل إلى ذلك المحل ، فتعبت الدابة وعجزت عن المشي، فأودعها عند شخص، ثم هلكت حتف أنفها: فلا ضمان).

للمستعير أن يودع العارية التي تجوز إعارتها عند آخر، أي عند أمينه؛ لأن للمستعير كما هو مبين في شرح المادة (820) أن يعيرها لآخر، ويكون المستعار في يد المستعير الثاني أمانة. وعليه، فإيداع المستعير للإعارة هو دون إعارتها؛ لأن في الإعارة تمليكا للمنفعة وإيداعا معا، وأن من يملك الأعلى، يملك الأدنى بطريق الأولى، فلذلك يوجد فرق بين العقدين (تكملة رد المحتار).

وبناء عليه لو تلفت العارية في يد المستودع بلا تعد ولا تقصير، أو طرأ على قيمتها نقصان: فلا يلزم المعير ولا المستعير ضمان .

وعدم لزوم المستعير ضمان مبني على المادة (91) القائلة: (الجواز الشرعي ينافي الضمان) " انتهى.

3- ونص المالكية على أن المستعير، لا يودع العارية عند غيره ، إلا إذا بعذر يدعو إلى ذلك. جاء في "الفواكه الدواني" (2/171): "لَا يَجُوزُ لِمَنْ عِنْدَهُ الْوَدِيعَةُ إيدَاعُهَا عِنْدَ غَيْرِهِ لِأَنَّ رَبَّ الْوَدِيعَةِ لَمْ يَرْضَ إلَّا بِأَمَانَتِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْغَيْرُ مِمَّنْ اعْتَادَ الْإِيدَاعَ عِنْدَهُ كَزَوْجَتِهِ أَوْ أَمَتِهِ، أَوْ إلَّا أَنْ يَحْصُلَ عُذْرٌ يَقْتَضِي الْإِيدَاعَ عِنْدَ الْغَيْرِ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْإِشْهَادُ عَلَى الْعُذْرِ لِأَنَّهُ لَا يَكْفِي أَنْ يَقُولَ: أَوْدَعْتهَا لِعُذْرٍ، كَمَا لَا يَكْفِي أَنْ يَقُولَ لِلشُّهُودِ: اشْهَدُوا أَنِّي إنَّمَا أَوْدَعْتهَا لِعُذْرٍ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُشْهِدَهُمْ عَلَى عَيْنِ الْعُذْرِ." انتهى .

وهي قاعدة المذهب ، في سائر الودائع والأمانات .

قال في "أسهل المدارك" (3/30) : " قال رحمه الله تعالى: "وَضَمَانُهَا كالرَّهْنِ" : يعني : أنّ ضمان العارية، كضمان الرهن ؛ يضمن ما يُغاب عليه ، ولا يضمن ما لا يُغاب عليه ، نحو عَبْدٍ أو دابة، إلاَّ أن يتعدَّى فَيَضْمَن. قال في الرسالة: والعارية لا يُصدق في هلاكها فيما يُغاب عليه ، كما تقدَّم ، فراجِعْه إن شئت".

ثم قال – في الوديعة – (3/32) :

" وحُكْمُها كالعارية على ما تقدَّم بيانه في ذلك، أي على الوجه الذي تقدَّم بيانه في العارية." انتهى .

2-وقيد الشافعية – أيضا – الجواز بالعذر؛ وإلا ضمن.

قال في "أسنى المطالب" (2/ 336): " لو أودع المستعير العارية، فكإيداع المودع الوديعة" انتهى.

وقال في "إيداع الوديعة" (3/ 76) : " الحكم ( الثاني الأمانة ) لأن الوديع يحفظها للمالك فيده كيده ولو ضمن لرغب الناس عن قبول الودائع ( و ) إنما ( يضمن بالتقصير وله ) أي للتقصير ( أسباب ) ثمانية ( أحدها : إيداعها ) بغير إذن مالكها ( بلا عذر ) عند غيره" انتهى.

3-وأما الحنابلة فلم نقف على كلام لهم في المسألة، لكنهم يرون أن العارية مضمونة مطلقا، سواء فرط أو لم يفرط .

قال المرداوي : " قَوْلُهُ (وَالْعَارِيَّةُ مَضْمُونَةٌ بِقِيمَتِهَا يَوْمَ التَّلَفِ، وَإِنْ شَرَطَ نَفْيَ ضَمَانِهَا) . هَذَا الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ بِلَا رَيْبٍ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ." انتهى، من "الإنصاف" (6/112) .

وينصون على أنها إباحة انتفاع، وليست تملك منفعة ولهذا ليس له أن يعيرها لغيره.

قال في الروض المربع: "وللمستعير استيفاء المنفعة بنفسه وبوكيله لأنه نائبه (ولا يعيرها) ولا يؤجرها؛ لأنها إباحة المنفعة، فلم يجز أن يبيحها غيره، كإباحة الطعام" انتهى من "الروض مع الحاشية" (5/ 368).

ومقتضى ذلك أنه ليس له أن يودعه غيره . وبهذا صرح بعض الأصحاب .

قال في "كشاف القناع" : " (وَلَيْسَ لِمُسْتَعِيرٍ أَنْ يُعِيرَ) الْمُعَارَ (وَلَا) أَنْ (يُؤَجِّرَ) هـ (إلَّا بِإِذْنِ) رَبِّهِ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ مَنَافِعَهُ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُبِيحَهَا وَلَا أَنْ يَبِيعَهَا بِخِلَافِ مُسْتَأْجِرٍ وَتَقَدَّمَ .

قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَلَا يُودِعْهُ." انتهى .

وينظر للفائدة في أحكام العارية: جواب السؤال رقم : (21577) .

والله أعلم.