ما حكم من أجبر على السجود لصنم، حيث هدد بالقتل، أو ما يؤدي إلى تلف جزء من بدنه؟

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فالإكراه المعتبر يختلف بعدة اعتبارات، منها: الأمر المكرَه عليه، فليس الإكراه على الكفر، كالإكراه على ما دون ذلك.

فإن تحققت شروط الإكراه المعتبر في أمر السجود لغير الله، فسجد المكرَه وقلبه مطمئئن بالإيمان: فلا يكفر بذلك، بل لا إثم عليه فيه، على الراجح من أقوال أهل العلم، حيث اختلفوا في الإكراه على الفعل، هل يُرخَّص فيه كالإكراه على القول؟

قال ابن بطال في شرح صحيح البخاري: أجمع العلماء على أن من أكره على الكفر حتى خشي على نفسه القتل، أنه لا إثم عليه إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان، ولا تبين منه زوجته، ولا يحكم عليه بحكم الكفر. هذا قول مالك والكوفيين والشافعي، غير محمد بن الحسن ...

وقالت طائفة: إنما جازت الرخصة في القول، وأما في الفعل فلا رخصة فيه، مثل أن يكرهوه على السجود لغير الله، أو الصلاة لغير القبلة، أو قتل مسلم ... روي هذا عن الحسن البصري، وهو قول الأوزاعي وسحنون ... وقال محمد بن الحسن: إذا قيل للأسير اسجد لذلك الصنم وإلا قتلناك، فقال: إن كان الصنم مقابل القبلة فليسجد وتكون نيته لله تعالى، وإن كان لغير القبلة فلا يسجد وإن قتلوه. وقالت طائفة: الإكراه في الفعل والقول سواء إذا أسر الإيمان. روي ذلك عن عمر بن عبد العزيز ومكحول، وهو قول مالك وطائفة من أهل العراق. اهـ.
وذكر ذلك القرطبي في تفسيره، فقال: والصحيح أنه يسجد وإن كان لغير القبلة، وما أحراه بالسجود حينئذ، ففي الصحيح عن ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وهو مقبل من مكة إلى المدينة على راحلته حيث كان وجهه، قال: وفيه نزلت "فأينما تولوا فثم وجه الله" .. فإذا كان هذا مباحا في السفر في حالة الأمن، لتعب النزول عن الدابة للتنفل، فكيف بهذا. واحتج من قصر الرخصة على القول بقول ابن مسعود: "ما من كلام يدرأ عني سوطين من ذي سلطان إلا كنت متكلما به". فقصر الرخصة على القول ولم يذكر الفعل، وهذا لا حجة فيه؛ لأنه يحتمل أن يجعل الكلام مثالا، وهو يريد أن الفعل في حكمه. وقالت طائفة: الإكراه في الفعل والقول سواء إذا أسر الإيمان. روي ذلك عن عمر بن الخطاب ومكحول، وهو قول مالك وطائفة من أهل العراق. اهـ.
ونقل الأثيوبي كلام القرطبي في ذخيرة العقبى، ثم قال: هذا القول - يعني التسوية بين الإكراه على الفعل والقول- هو الحق؛ لدلالة النصوص السابقة عليه. اهـ.

وراجع للفائدة، الفتاوى التالية أرقامها: 64166، 65926، 385834.

والله أعلم.