قرأتُ كلامًا للشيخ ابن عثيمين مفاده أننا إذا كنا لا نجزم بالنجاسة، فإن الأصل في الأشياء الطهارة، وأضاف قائلاً: صحيح أنه قد يغلب على الظن أنها تلوثت بشيء نجس، ولكنا مادمنا لم نتيقن، فإن الأصل بقاء الطهارة ـ ثم قرأتُ كلامًا للشيخ بن باز، في من شك في خروج ريح منه مفاده أنه لا يلتفت إلى هذا الشك، وأضاف قائلاً: أما مادام هناك شك ولو واحد في المائة شك، فصلاته صحيحة، ووضوؤه صحيح ولا ينفك من صلاته ـ وما فهمته من كلام الشيخين أنه لا عبرة بالشك حتى لو غلب على الظن جانب النجاسة أو ترجح جانب خروج الريح، فهل ينطبق هذا الكلام أيضًا على الشك في النطق بالنذر؟ ولو شك شخص ما في أنه تلفظ بلفظة من الألفاظ التي ينعقد بها النذر، وترجح لديه جانب التلفظ، ولكنه لا يزال غير متأكد من وقوع التلفظ، فهل هذا الشخص في هذه الحالة ينطبق عليه كلام الشيخين وما ذكرتموه أنتم في كثير من الفتاوى من أنه لا يجب النذر بالشك، لأن الأصل براءة الذمة؟ أي في حالة رجحان جانب التلفظ، هل يظل الأمر شكًا، باعتبار أنه لا يوجد جزم أصلاً بوقوع التلفظ، وبالتالي لا يجب النذر في هذه الحالة، باعتبار أن الأصل براءة الذمة؟.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد: 

فالأصل في من شك هل تلفظ بالنذر أو لا أنه لم يتلفظ به، ولا ينتقل عن هذا الأصل إلا بيقين جازم يستطيع الشخص أن يحلف عليه، إذ الأصل براءة ذمته وهي متيقنة فلا ينتقل عنها إلا بيقين، وقد بينا هذا مرارا وذكرناه في فتاوى كثيرة انظر منها الفتوى رقم: 102321.

وسواء كان عند الشخص غلبة ظن أو لم تكن، فلا يحكم بكونه ناذرا إلا بيقين جازم ـ كما ذكرنا ـ ومن أوضح الأدلة على هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: حين شكي إليه الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة: لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا.

قال النووي: قال أَصْحَابُنَا: وَسَوَاءٌ في الشك استوى الاحتمالان عِنْدَهُ أَوْ تَرَجَّحَ أَحَدُهُمَا، فَالْحُكْمُ سَوَاءٌ، وَقَدْ قَدَّمْتُ بَيَانَ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ فِي بَابِ الشَّكِّ فِي نَجَاسَةِ الْمَاءِ، قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: اتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّ مَنْ تَيَقَّنَ الْوُضُوءَ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ الْحَدَثُ فَلَهُ الْأَخْذُ بِالْوُضُوءِ. انتهى.

ونحذرك من الوساوس التي يبدو أنك مصاب بشيء منها، فإن الاسترسال مع الوساوس يفضي إلى شر عظيم، وانظر الفتوى رقم: 51601.

والله أعلم.