قبل أيام أيقنت أن الأولاد لا يأتون إلا عبر الجماع، وصدمت. أريد أن أعرف حكمة الله من كون الجماع هو الطريق لإنجاب الأطفال؟ وشكرا لكم.

 الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فإن إنجاب الذرية، وإن كان الأصل فيه أن يكون من جماع بين الزوجين، إلا أن هذا قد ينتقض في بعض الحالات، ومن ذلك ما كان من خلق آدم عليه السلام من غير أب أو أم، وخلق عيسى عليه السلام من أم بلا أب، فكان خلق كل منهما معجزة من المعجزات، قال تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ {آل عمران:59}. 

وكذلك الحال بالنسبة للحمل عن طريق التلقيح الصناعي، فإنه يحصل من غير جماع، ولمعرفة حكم الإنجاب من هذا السبيل وضوابطه راجع الفتوى رقم: 5995

ولا ندري ما وجه الاستغراب أو الصدمة من معرفة السبب الذي به يكون إنجاب الولد، فالمسببات كلها مفتقرة إلى أسبابها. كما نستغرب من جهل السائل لهذا الأمر المعلوم لدى من له أدنى عقل.

 وهذا فيما إذا قصدت بسؤالك حقيقة الجماع، وإن كنت تعني ما هو أشمل، وهو كون المني هو السبب في خلق الإنسان، فلا شك في أن لله عز وجل في ذلك حكمة، قد ندركها وقد لا ندركها، ولعل مما يظهر من حكمته بيان كمال قدرته سبحانه، ولفت الأنظار إلى ذلك، قال تعالى: وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى {النجم46:45}.

ومن حكمة ذلك أن يعرف الإنسان قدره فلا يتعالى، بل يذل لربه ويتواضع لخلقه، قال الغزالي في إحياء علوم الدين -وهو يتكلم عن طرق علاج الكبر-: الثاني: أن يعرف نسبه الحقيقي، فيعرف أباه وجده، فإن أباه القريب نطفة قذرة، وجده البعيد تراب ذليل، وقد عرفه الله تعالى نسبه فقال: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ {السجدة7 :8}، فمن أصله التراب المهين الذي يداس بالأقدام، ثم خمر طينة حتى صار حمأ مسنونا، كيف يتكبر؟ وأخس الأشياء ما إليه انتسابه إذ يقال: يا أذل من التراب. ويا أنتن من الحمأة. ويا أقذر من المضغة. اهـ.

والله أعلم.