أعلم أن الله سبحانه منزه عن كل صفة نقص، وأود أن أسأل هل يمكن العاميَّ أن يحكم مباشرة على الصفة إن كانت نقصًا أو لا، فينفيها مباشرة إن كانت كذلك، أو يتوقف ويردها إلى القرآن وصحيح السنة إن كانت غير ذلك؟ فأنا يشكل عليّ الفهم، فصفة اليدين للمخلوق هي أداة تساعده على قضاء حوائجه، لكن اليدين له سبحانه لائقة به، وليست صفة نقص، بل صفة كمال مثبتة له، وكل صفة لم تثبت له سبحانه يمكن القول عنها إنها صفة نقص إن كانت للمخلوقات وقيست عليهم، وإذا ثبتت أي صفة له سبحانه فهي يقينًا صفة كمال، أرجو التوضيح فقد اختلطت عليّ الأمور، وأشعر أن فهم صفاته تعالى من لوازم العلم الشرعي -جزاكم الله خيرًا-.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

فأهل القبلة وإن اتفقوا على إثبات الكمال ونفي النقص عن الله تعالى، إلا إنهم اختلفوا في ما هو الكمال؟ وما هو النقص؟ قال السفاريني في لوامع الأنوار البهية: لا خلاف بين العقلاء أن الله سبحانه وتعالى متصف بجميع صفات الكمال، منزه عن جميع صفات النقص، لكنهم مع اتفاقهم على ذلك اختلفوا في الكمال والنقص، فتراهم يثبت أحدهم لله ما يظنه كمالًا، وينفي الآخر عين ما أثبته هذا لظنه نقصًا... اهـ.

وقال الشيخ الدكتور يوسف الغفيص في شرح الواسطية: أهل القبلة من المسلمين -سنيهم وبدعيهم- اتفقوا على أن الله مستحق للكمال منزه عن النقص، وإنما اختلفوا في تحقيق المناط، أي: ما هو الكمال؟ وما هو النقص؟ المعتزلة قالوا قولتهم، وهي في نظرهم كمال لا نقص، والأشاعرة يرون أن مذهبهم هو كمال الرب، والماتريدية يرون مذهبهم كذلك، والكرامية يرون مذهبهم كذلك... وأيُّ طائفة تقول قولاً وهي تعلم أنه نقص فهي طائفة غير مسلمة؛ لأنها خرجت عن اتفاق أهل القبلة من أن الله مستحق للكمال، منزه عن النقص.. اهـ.

ولذلك وجب التحري في معرفة طريقة أهل السنة في النفي والإثبات، والتي بينها شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب الجواب الصحيح، بقوله: أصل دين المسلمين أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه في كتبه، وبما وصفته به رسله، من غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تكييف، ولا تمثيل، بل يثبتون له تعالى ما أثبته لنفسه، وينفون عنه ما نفاه عن نفسه، ويتبعون في ذلك أقوال رسله، ويجتنبون ما خالف أقوال الرسل، كما قال تعالى: سبحان ربك رب العزة عما يصفون {الصافات:180} أي عما يصفه الكفار المخالفون للرسل، وسلام على المرسلين {الصافات:181} لسلامة ما قالوه من النقص والعيب، والحمد لله رب العالمين {الصافات:182}، فالرسل وصفوا الله بصفات الكمال، ونزهوه عن النقائص المناقضة للكمال، ونزهوه عن أن يكون له مثل في شيء من صفات الكمال، وأثبتوا له صفات الكمال على وجه التفصيل، ونفوا عنه التمثيل، فأتوا بإثبات مفصل ونفي مجمل، فمن نفى عنه ما أثبته لنفسه من الصفات كان معطلًا، ومن جعلها مثل صفات المخلوقين كان ممثلًا، والمعطل يعبد عدمًا، والممثل يعبد صنمًا، وقد قال تعالى: ليس كمثله شيء {الشورى:11} وهو رد على الممثلة: وهو السميع البصير {الشورى:11} وهو رد على المعطلة، فوصفته الرسل بأنه حي منزه عن الموت، عليم منزه عن الجهل، قدير قوي عزيز منزه عن العجز والضعف والذل واللغوب، سميع بصير منزه عن الصم والعمى، غني منزه عن الفقر، جواد منزه عن البخل، حكيم حليم منزه عن السفه، صادق منزه عن الكذب، إلى سائر صفات الكمال... اهـ.

وراجعي للفائدة الفتاوى التالية أرقامها: 161839، 63946، 166567.

وبذلك يعرف أن مرد هذا الباب في النفي والإثبات إلى النصوص الشرعية، والعلم الموروث عن الرسل، لا مجرد الرأي، وإذا كان الأمر كذلك، فالعامي الذي لا يعلم تفاصيل ذلك يجب عليه الرجوع فيما جهله، أو أشكل عليه إلى أهل العلم فيسألهم عنه، كما قال تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ {النحل:43}، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العي . رواه أبو داود، وابن ماجه، وأحمد، وصححه الألباني. والعِيّ هو الجهل.

وقال ابن عبد البر في التمهيد: يلزم كل مؤمن ومؤمنة إذا جهل شيئًا من أمر دينه أن يسأل عنه. اهـ.

وراجعي في بيان الموقف تجاه ما لم يرد ذكره من صفات الله تعالى في الكتاب والسنة، الفتوى رقم: 259885.

والله أعلم.