لدي زميل بالعمل، أقوم بتبديل الدولار عنده بالعملة المحلية. في إحدى المعاملات، التقيته في أحد الممرات، وسلمته المبلغ بالدولار. واتفقنا على السعر، وطلب مني أن أحضر إلى مكتبه؛ لاستلام الثمن. وقتها كنت ذاهبا إلى المسجد لأداء الصلاة، فقلت له: سأصلي وآتي لأخذ المبلغ. هل في هذا خروج عن التقابض؟ وهل تعتبر هذه معاملة ربوية؟ وما يلزمني إن كانت كذلك؟ علما بأنني دفعت هذا المبلغ لأداء فريضة الحج. وما حكم الحج من هذا المال، إن فسد بهذه المعاملة؟ أنا لست جاهلا، أو منكرا لشرط صحة بيع النقود، ولكنني تساهلت في تقدير معنى التقابض.

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فما ذكره السائل يعتبر مُفوِّتا للقبض المشترط في صحة الصرف، فقد حصل التفرق بالأبدان بينه وبين زميله، بتركه، وذهابه إلى المسجد.

جاء في الموسوعة الفقهية: أجمع الفقهاء على أنه إذا بيع أحد النقدين بمثله، أو بالآخر، يجب التقابض في المجلس. وإلا يبطل العقد؛ لخبر: لا تبيعوا الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائبا بناجز.

وجاء فيها أيضا: الافتراق المانع من صحة الصرف، هو افتراق العاقدين بأبدانهما عن مجلسهما، فيأخذ هذا في جهة، وهذا في جهة أخرى، أو يذهب أحدهما، ويبقى الآخر .. اهـ.
وجاء في موضع آخر منها: اتفق الفقهاء على أنه يشترط في صحة عقد الصرف التقابض في البدلين قبل التفرق. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، على أن المتصارفين إذا افترقا قبل أن يتقابضا، أن الصرف فاسد. واستدلوا على ذلك بما روى عبادة بن الصامت -رضي الله تعالى عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل، سواء بسواء يدا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يدا بيد". وبما روى ابن عمر عن أبيه -رضي الله عنهما- أنه قال: "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل، ولا تبيعوا الذهب بالورق أحدهما غائب والآخر ناجز، وإن استنظرك حتى يلج بيته فلا تنظره، إني أخاف عليكم الرماء: أي الربا". لهذا إذا تعذر على المتصارفين التقابض في المجلس وأرادا الافتراق، لزمهما ديانة أن يتفاسخا العقد بينهما قبل التفرق، كي لا يأثما بتأخير العوضين أو أحدهما؛ لأن الشارع نهى عن هذا العقد إلا يدا بيد، وحكم عليه أنه ربا إلا هاء وهاء، فمتى لم يحصل هذا الشرط، حصل المنهي عنه، وهو ربا النساء، وهو حرام، وفي التفاسخ قبل التفرق رفع للعقد، فلا تلزمهما شروطه. اهـ.
وعلى هذا؛ فقد كان يلزم السائل أن يفسخ هذا العقد، ويسترد دولاراته من زميله، ويعيد إليه ما أخذ منه، ثم يعيدان التصارف إن شاءا. ولكن هذا لم يحصل، وفات الصرف بأخذ السائل العملة المحلية، ودفعها في تكاليف الحج.

والمخرج الآن أن يرد السائل لزميله مثل ما أخذ من العملة المحلية، ويسترد منه مثل الدولارات التي دفعها، ثم يتصارفان إن شاءا بعد ذلك، أو لا يتصارفان.

 قال مُلا خسرو في درر الحكام: هلاك البدلين في الصرف غير مانع من الإقالة؛ لعدم لزوم رد عين المقبوض بعد الإقالة، بل يرده أو مثله، فلا تتعلق الإقالة بعينها، بخلاف غيره من البياعات، فإنه يتعلق بعين المبيع. اهـ.
وجاء في الموسوعة الفقهية: هلاك البدلين في الصرف، لا يعد مانعا من الإقالة؛ لأنه في الصرف لا يلزمه رد المقبوض بعد الإقالة، بل رده أو رد مثله، فلم تتعلق الإقالة بعينهما، فلا تبطل بهلاكهما. اهـ. وانظر للفائدة، الفتويين: 54104، 273148.

وعلى أية حال، فليس لذلك تأثير على صحة الحج، وليس هذا من الحج بمال حرام! وليس على السائل إلا أن يستغفر الله تعالى، ويفعل ما أشرنا إليه سابقا.

والله أعلم.