أجد إشكالا علميا يتمثل في أن الفقهاء يعللون كثيرا من الأحكام الفقهية بـ (المشقة) وفي ذلك صاغوا القاعدة الفقهية المشهورة: "المشقة تجلب التيسير" إلا أن المقرر في أصول الفقه، أن العلة لا بد أن تكون منضبطة حتى يصح التعليل بها والقياس عليها، ويمثل الأصوليون بـ (المشقة) كمثال للعلة غير المنضبطة، ومن الفروع المشهورة في ذلك إناطة رخص السفر به لا بالمشقة؛ لأن الأخيرة غير منضبطة. فما الجمع بين هذا وذاك؟ بارك الله فيكم، ونفع بكم.

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:  

 فقاعدة "المشقة تجلب التيسير"من ضمن القواعد الفقهية المعتبرة, وقد سبق بيان ذلك في الفتوى رقم: 49522

وهذا الإشكال الذي وقع لك في محله, فقد تكلّم الفقهاء عن المشقة, وكيفية انضباطها, وللقرافي في الذخيرة كلام مفيد في هذه المسألة، وسنذكره بنصّه؛ لما فيه من الفائدة, والوضوح.

حيث يقول: سؤال: ما ضابط المشقة المؤثرة في التخفيف من غيرها؟ فإنا إذا سألنا الفقهاء يقولون: ذلك يرجع إلى العرف، فيحيلون على غيرهم، ويقولون لا نحد ذلك، فلم يبق بعد الفقهاء إلا العوام، والعوام لا يصح تقليدهم في الدين؟

جوابه: هذا له وَقْعٌ عند المحققين، وإن كان سهلا في بادي الرأي، ونحن نقول: ما لم يرد الشرع بتحديده، يتعين تقريبه بقواعد الشرع؛ لأن التقريب خير من التعطيل لما اعتبره الشرع. فنقول: على الفقيه أن يفحص عن أدنى مشاق تلك العبادة المعينة فيحققه بنص، أو إجماع، أو استدلال، ثم ما ورد عليه بعد ذلك من المشاق مثل تلك المشقة أو أعلى، جعله مسقطا، وإن كان أدنى لم يجعله. مثاله: التأذي بالقمل في الحج مبيح للحلق، بحديث كعب بن عجرة، فأي مرض آذى مثله أو أعلى منه، أباح، وإلا فلا. والسفر مبيح الفطر بالنص، فيعتبر به غيره من المشاق. انتهى.

والمشقة لها مراتب, وتختلف من عبادة لأخرى، كما فصّل ذلك القرافي أيضا, وراجع كلامه في الفتوى رقم: 179595

أما علماء الأصول، فالتعليل عندهم بمظنة المشقة وليس بالمشقة نفسها؛ لعدم انضباطها.

يقول الزركشي في البحر المحيط: فإن كان الوصف خفيا أو ظاهرا غير منضبط، فالمعتبر ما يلازمه، وهو المظنة، كالمشقة، فإنها للمقصود، ولا يمكن اعتبارها بنفسها، لأنها غير منضبطة، فتعتبر بما يلازمه وهو السفر. انتهى.

والله أعلم.