كتب لؤى على

أنا أرسم الصور الفوتوغرافية وأكبرها مقاسات مختلفة بالفحم، وهذا رسم يدوى، وأريد معرفة ما إذا كان عملى هذا حرامًا أم حلالاً؟.. سؤال أجابت عليه لجنة الفتوى بمجمع البحوث الإسلامية، كالآتى: 

 

 

الإسلام لا يحارب الفن الهادف، بل يدعو إليه، ويحث عليه؛ لأن الفن فى حقيقته إبداع جمالى لا يعاديه الإسلام، والنحت والتصوير من الفنون، فالإسلام لا يحرمه؛ ولكنه فى نفس الوقت لا يبيحه بإطلاق؛ بل يقيد إباحته بقيدين هما: ألا يقصد بالشىء المنحوت أو المصور عبادته من دون الله. القيد الثانى: أن يخلو النحت والتصوير من المضاهاة لخلق الله – عز وجل – التى يُقصد بها أن يتحدى صنعة الخالق - عز وجل - ويفترى عليه بأنه يخلق مثل خلقه . 

 

فإذا انتفى هذان القيدان فالنحت والتصوير مباح، ولا شىء فيه. والدليل على ذلك قوله - تعالى -: "يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ"، فقد امتن الله فى هذه الآية الكريمة على سيدنا سليمان بصناعة التماثيل، فدل ذلك على أنها لم تكن للعبادة؛ لأن الله لا يمتن بما هو شرك، وَشَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا لِقَوْلِهِ- تَعَالَى-: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ}. 

 

كما يستدل على الإباحة إذا خلت من العبادة بِقَوْلِ النَّبِى -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِى حَقِّ الْمُصَوِّرِينَ " الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ" وَفِى بَعْضِ الرِّوَايَاتِ "الَّذِينَ يُشَبِّهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ" وَقَوْلُ النَّبِى -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: "وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ خَلْقًا كَخَلْقِى فَلْيَخْلُقُوا حَبَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا ذَرَّةً " و قَوْلِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِى حَقِّ الْمُصَوِّرِينَ : " إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ".

 

وجه الدلالة من هذه الأحاديث على الإباحة من وجهين: 

الوجه الأول: المضاهاة الواردة فى الحديث لا تكفى وحدها للتحريم، لأنها لو كان المقصود بالتحريم مجرد المضاهاة، لحرم رسم السماء والأرض والأشجار والبحار، ولم يقل أحد من العلماء بذلك. 

 

الوجه الثانى: المضاهاة لو حملت على التصوير المعتاد ؛ لكان ذلك مشكلا على قواعد الشريعة . فإن أشد ما فيه أن يكون معصية كسائر المعاصى ليس أعظم من الشرك وقتل النفس والزنا، فكيف يكون فاعله أشد الناس عذابا، فتعين حمله على من صنع التماثيل لتعبد من دون الله أو صنعها تحديًا لله.

 

قَالَ النَّوَوِى: أَمَّا رِوَايَةُ " أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا " فَهِى مَحْمُولَةٌ عَلَى مَنْ فَعَلَ الصُّورَةَ لِتُعْبَدَ، وَقِيلَ: هِى فِيمَنْ قَصَدَ الْمَعْنَى الَّذِى فِى الْحَدِيثِ مِنْ مُضَاهَاةِ خَلْقِ اللَّهِ، وَاعْتَقَدَ ذَلِكَ، فَهَذَا كَافِرٌ لَهُ مِنْ أَشَدِّ الْعَذَابِ مَا لِلْكُفَّارِ، وَيَزِيدُ عَذَابُهُ بِزِيَادَةِ كُفْرِهِ". 

 

وَيَتَأَيَّدُ التَّعْلِيلُ بِهَذَا بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ شَبِيهًا بِذَلِكَ فِى حَقِّ مَنِ ادَّعَى أَنَّهُ يُنَزِّلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ، وَأَنَّهُ لا أَحَدَ أَظْلَم مِنْهُ، فَقَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِى إلى وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ} فَهَذَا فِيمَنِ ادَّعَى مُسَاوَاةَ الْخَالِقِ فِى أَمْرِهِ وَوَحْيِهِ، وَالأَوَّلُ فِيمَنِ ادَّعَى مُسَاوَاتَهُ فِى خَلْقِهِ، وَكِلاهُمَا مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا. 

 

وَمِمَّا يُحَقِّقُ هَذَا مَا تُوحِى بِهِ رِوَايَةُ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِى اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ فِى الْحَدِيثِ الْقُدْسِى: "وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ خَلْقًا كَخَلْقِى" فَإِنَّ "ذَهَبَ" بِمَعْنَى قَصَدَ، بِذَلِكَ فَسَّرَهَا ابْنُ حَجَرٍ. وَبِذَلِكَ يَكُونُ مَعْنَاهَا أَنَّهُ أَظْلَمُ النَّاسِ بِهَذَا الْقَصْدِ، وَهُوَ أَنْ يَقْصِدَ أَنْ يَخْلُقَ كَخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى.