كتب لؤى على

قال الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، إنه يجب أن نذكِّر الناس بأن القدس مدينة عربية، فالتاريخ لا يذكر وجود للمدينة قبل العرب، فهم من أنشأ المدينة، وأقدم فترة وصل لها التاريخ فى المدينة هى فترة اليبوسيين وهم عرب قدموا من اليمن ورحلوا إلى الشمال.

 

وأضاف فى حديثه الأسبوعى على الفضائية المصرية أن الإسلام كان أول من جميع بين المسيحية واليهودية فى القدس، فحين فتحها سيدنا عمر أمن المسيحيين، وأعاد إليها اليهود الذين طردوا منها، موضحًا أنه قبل الفتح الإسلامى شهدت المدينة استعمارًا وحروبًا ودماء لم تنته، حتى جاء الإسلام فلم يسجل التاريخ إسالة دماء باسم الدين بعد الفتح الإسلامي، وكانت الحروب على أساس سياسي، وبعد ذلك جاءت مرحلة الصليبيين أو المسيحيين الغربيين، وعندما نتحدث عن المسيحيين فى هذه الحلقات فنحن نعنى المسيحيين الغربيين، ولا نعنى المسيحيين الذين يقيمون فى هذه الديار، لأنهم مثلنا اضطهدوا بنار المسيحيين الغربيين، وأيضًا نفرق بين الصهاينة واليهود الذين كانوا مقيمين فى المنطقة والذين لا يؤمنون بفكرة الدولة اليهودية.

 

وبين الإمام الأكبر أن الحملات الصليبية جاءت فى منطقة التماس بين أوروبا وتركيا، وقد وقعت معركة مانزيكرت بين البيزنطيين والمسلمين سنة 1071، وانتصر فيها المسلمون، ثم أرسل الإمبراطور البيزنطى إلى البابا أوربان الثانى وطلب منه أن يجرد جيشا لينقذ المسيحيين من ما سماه الاستعمار الإسلامي، وقد أثار هذا الخطاب مطامع أوربان الثاني، حيث كان يفكر فى ذلك قديمًا، ورأى أن ذلك سيحقق عدة أهداف، أولًا أن أوروبا كادت تفنى من الحروب الإقطاعية، ولكن باستجابته لخطاب الإمبراطور فإن الحروب ستنتقل من أوروبا إلى الشرق الإسلامي، والأمر الثانى أنه سيحرر قبر السيد المسيح عليه السلام فى القدس من الكفار، أى المسلمين، كما يرى هو ذلك.

 

وتابع: وخطب هذا البابا خطبة عصماء فى 1095 تناقلها الأوروبيون، وكون 5 حملات أو جيوش قوامها 60 ألف، من بينهم حجاج وفقراء، ثم أمدهم بجيش آخر قوامه 100 ألف من القساوسة والجنود، وساروا جميعًا إلى بيت المقدس واستمرت الرحلة 3 سنوات من كيلرمونت فى فرنسا إلى أن وقفوا على أسوار بيت المقدس سنة 1099، وعندما سمع الصليبيون الجرمان بأن الحملة تتحرك، قاموا بمذبحة عنيفة ضد اليهود، بمنطق أنه إذا كنا سنجرد حملة على أعداء المسيح المسلمين، فأولى أن نقتل أعداءه الذين قتلوه وهم اليهود الموجودين فى أوروبا.

 

وأكد الإمام الأكبر أنه عندما وصلت أخبار الحملة للمسلمين والمسيحيين، فر المسيحيون الأرثوذكس وكل الذين يؤمنون بالطبيعة الواحدة من بيت المقدس إلى مصر، لأن الصليبيين كانت تسبقهم سمعتهم أنهم متعطشون للدماء ويأكلون لحوم البشر، وحين وصلت الحملة لم تمض ثلاثة أيام حتى قتلوا ثلاثين ألفًا من سكان المدينة، حتى الذين فروا واحتموا بالمسجد الأقصى أبادوهم هم ونساؤهم وأطفالهم عن آخرهم، كما حصروا اليهود فى معبدهم بأطفالهم وذبحوهم مرة واحدة، ولذلك لازالت هذه الحملة تشعر الكتاب الغربيين بالخزى والعار.

 

وأشار إلى أنه فى وسط هذه الجثث والأشلاء كانوا يدخلون البيوت يسرقون من بين أكوام الجثث والأشلاء، كما وصف ذلك المؤرخون الغربيون، وعندما دخلوا إلى ساحة المسجد الأقصى كانت الدماء تصل إلى أرجل الخيول، وأؤكد أن كل ذلك هو وصف المؤرخين الغربيين أنفسهم، الذين استخدم كثير منهم مصطلح الإبادة لوصف ما حدث.

 

وأوضح الإمام الأكبر أن هناك كتابا اسمه كتاب القدس، للكاتبة كارين أرمسترونغ، وهى مؤرخة منصفة جدًا، وقد نقلت وصف هذه الجرائم عن مؤرخ مسيحى غربى اسمه ريمون شاهدها وكتب عنها، ووصف أكوام الرؤوس والأيدى والأرجل، وتستغرب هذه الكاتبة من أن المؤرخ وهو يصف ذلك لم يشعر بالخزي، بل كان يبرر ذلك، وقال إنه كان حكما إلهيًا عادلًا أن يمتلئ هذا المكان الذى عانى طويلاَ من كفر الكفرة أن يمتلئ بدمائهم، واغتسل الصليبيون وصاروا فى اتجاه كنيسة القيامة وهم يرتلون التراتيل ودموع الفرح تنساب من أعينهم، ولم يبق أحد هناك يقتل فى المدينة التى أبيدت تماما بشكل جماعى وفى مقابر جماعية، وبدت طقوس القداس وكأنها تبشر بفجر جديد ويقول ريمون وهو مؤرخ كبير: "سيشهد هذا اليوم فى العصور المقبلة فقد حول جهودنا وأحزاننا إلى فرح أن هذا اليوم دليل لصدق المسيحية جمعاء...إن هذا اليوم صنعه الرب فلنبتهج ونفرح، لأن الرب كشف عن نفسه لشعبه وباركه"

 

وختم حديثه فقال: ما يمكن أن نستنتجه أن المسلمين والمنطقة عامة عانت من الحملات الصليبية التى كانت تأتى تباعا، وهذه الحملة استمرت200 عام، حيث لم ترحل إلا فى عام 1291 بعد أن ظهر بطل من الأبطال العظماء، أقر التاريخ الغربى نفسه بعظمته وهو صلاح الدين الأيوبى.