كان يوما هادئا صباحا يشوبه حذر ينذر بوقوع حدث عظيم سيغير مجرى التاريخ لاحقا، امتلئت فيه الشوارع والميادين برجال الشرطة، عقارب الساعة تسارع الزمن فقد حان موعد الزحف إلى ميدان التحرير، شيئا فشيئ اجتمعت الحشود آتية من كل حدب وصوب في بقعة نسجوا من أسمها خيوطا ترسم أحلامهم بالتحرر من الظلم والفساد والفقر والبطالة.

 

آلاف الشباب خرجوا في هذا اليوم 25 يناير 2011، كل منهم محمل بأمال وطموح مختلفة، ولكنهم جميعا يقفون في أرض واحدة متلاصقة أكتافهم تختلط أنفسهم بهتاف واحد "إرحل"، ولكن سرعان ما تفرقت بهم السبل، فمن لم يواريه التراب بات مهاجرا للبلاد، وآخر يقبع في غياهب السجون، وثالث أكتفى بالتغريد على مواقع التواصل الاجتماعي  ورابع خلع عباءة الثورة وجلس تحت قبة البرلمان، فهكذا أضحى حال الشباب الصانع لثورة 25 يناير، ترصده "مصر العربية" في 5 قصص في ذكراها الخامسة.


"غنيم"

 " المناضل الكيبوردي"،  هكذا وصف نفسه حين انضم إلى الحشود بميدان التحرير بعد 12 يوم من اعتقاله إنه وائل غنيم الملقب بـ" مفجر ثورة يناير"، فذلك الشاب العشريني، الذي يدير التسويق بشركة جوجل العالمية، أنشأ صفحة "كلنا خالد سعيد" التي تهافت عليها آلاف النشطاء في بضع ساعات، لتنطلق منها شرارة الثورة.

 

تسلم جائزة جون كينيدي السنوية في الشجاعة باعتبارهِ أحد رموز ثورة 25 يناير،  ورغم أنه كان من "عاصري الليمون" الذين انتخبوا الرئيس المعزول محمد مرسي، إلا أنه طالب برحيله قبل اكتمال عامه الأول في الحكم، ولكن اختلف نشاطه فاكتفى هذه المرة بمنشورات على "الفيسبوك" تطالب مرسي بانتخابات رئاسية مبكرة، ليدخل بعدها في مرحلة صمت دام عامين، معتزلا السياسة مغادرا أرض الوطن، وهنا انتهى مطاف أحد شباب الثورة ليكمل بقية حياته في أمريكا.

 

برر غنيم اختفائه بأنه يرى المعركة حاليا صفرية في ظاهرها حماية المسار الديمقراطي وباطنها صراع بين طرفين لا يعترفان بالديقراطية والحرية، وأضاف أثناء مشاركته في مؤتمر لمؤسسة "تيد" ديسمبر الماضي، أن الأحداث بعد الثورة كانت بمثابة صفعة شديد، وظلت تطارده اتهامات الخيانة والتآمر على مصر لصالح أمريكا، حتى رفضت محكمة القضاء الإداري بالأمس دعوى إسقاط جنسيته المصرية.

 

"ماهر" خلف القضبان

قبل الثورة كان ضيفا دائما على جهاز أمن الدولة، يعتقله تارة ويطلق سراحه أخرى، وظل على هذا الحال قرابة الثلاثة أعوام التي سبقت ثورة 25 يناير، منذ تأسيسه لحركة 6 أبريل عام 2008.


 تصدر ماهر الصفوف الأولى لثورة يناير، وجزاء اعتراضه على حكم المجلس العسكري تعرض للاتهامات وأعضاء من 6 أبريل بالتمويل الأجنبي والخيانة.


واصل "ماهر " مسيرته الثورية بالتظاهر ضد الرئيس المعزول محمد مرسي، وألقت الشرطة القبض عليه أثناء تظاهرة للحركة أمام منزل وزير الداخلية، وشارك بحملة " تمرد" وتظاهرات 30 يونيو، ولكنه رفض تدخل الجيش في المعترك السياسي، وما لبث أيام قليلة بعد 3 يوليو وتأييده للسلطة الجديد حتى انقلب عليها بعد رفضه لفض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة وتعديلات الدستور.

 

وكُتبت نهاية ذلك الشاب بإصدار قانون التظاهر الذي أودى به إلى السجن، ففي نوفمبر 2013 قررت المحكمة سجنه لمدة ثلاث سنوات  لاتهامه بالمشاركة في مظاهرة أمام مجلس الشورى وخرق قانون التظاهر .


"دومة" سجين كل الأنظمة

"صائد الفراشات" هكذا أطلق عليه رفقاء التحرير خلال أيام الثورة لحرفيته في التقاط قنابل الغاز وإبعادها عن المتظاهرين، إنه "أحمد دومة" ، الذي خاض المعارك السياسية مبكرا وسُجن أكثر من 18 مرة في عهد مبارك والمجلس العسكري، وظلت تطارده الاتهامات بالتحريض على العنف حتى أودت به سجينا قيد حكم بالمؤبد لاتهامه بالتحريض على أحداث مجلس الوزارء وحرق المجمع العلمي .

 

وشارك دومة في عشرات الوقفات الاحتجاجية ضد حكم الإخوان، أبرزها تظاهرات مكتب الإرشاد بالمقطم، وفيها تلقى صفعة على وجه من أحد أعضاء الإخوان وسُحل ، و قرر النائب العام ضبط وإحضاره بتهمة سب رئيس الجمهورية، وبعد خروجه كانت أحداث 30 يونيو بمثابة نهاية لبداية جديدة في السجن، لما عارض ما وصفه بـ "حكم العسكر" ورفض قانون التظاهر، وحُكم عليه بـالسجن 3 سنوات في أحداث مجلس الشورى.

 

"مر خمس سنوات منذ اﻹطاحة بمبارك، وها نحن نعود إلى المربع رقم واحد.. زوجي الذي ببلغ من العمر 26 عاما، كان رمزا حيا للثورة، ويملئ شوارع القاهرة ضجيجا، والآن هو ضعيف صامت وراء القضبان"، هكذا تروي نورهان حفظي، زوجة أحمد دومة، لمجلة " اتلانتك" الأمريكية حال زوجها.

 

" محفوظ" من التحرير إلى التغريد

أصبحت رمزا من رموز الثورة التي جعلتها تفز ضمن خمسة من ناشطي الثورات العربية بجائزة ساخروف، بعد نشرها فيديو تدعو خلاله المصريين للنزول يوم 25 يناير،  هو اسم لطالما ذُكر حيث انهالت ضده الاتهامات بالإساءة للجيش والخيانة والتآمر، إنها " أسماء محفوظ" أحد الأعضاء المؤسسين لحركة 6 إبريل.

 

وحين اعتلى الإخوان عرش الحكم هاجمتهم أيضا، ولكنها لم تشارك بـ 30 يونيو لتزامنها مع موعد وضع طفلتها الأولى، ولفترة طويلة اختفت "محفوظ" عن الأضواء، ومن حين لآخر تمارس نشاطها السياسي عبر "الفيسبوك"، لتعبر عن رفضها لسياسات السلطة الحاكمة بعد 30 يونيو خاصة بعد فض اعتصامي رابعة والنهضة.

 

وبعد أن كان التحرير طريقها للثورة على نظام مبارك، اتخذت من صفحتها على الفيسبوك ملجأ تنفس فيها عن أمانيها بثورة ضد الظلم قائلة:"نفسي في ثورة بس تخرّج المعتقليين تِرعب السجّانين".

 

وفي ذكرى الثورة الخامسة قالت محفوظ على الفيسبوك:" ثورة يناير هي اعظم شرف وفخر لكل من شارك بها، ثورة على الفساد والظلم وسلخانات الداخلية.. الثورة لسة مخلصتش والله لانيجي في يوم ونرجع نكملها".

 

وتواجه أسماء محفوظ وآخرين عدة تهم في القضية المعروفة إعلاميا بـ"قضية تمويل منظمات المجتمع المدني"، وتم منعها من السفر في ديسمبر الماضي.

 

"الخولي " نائبا

فصل جديد بنهاية مختلفة لأحد أبطال مشهد ثورة 25 يناير، فبينما تفرقت السبل برفقاء التحرير بين مهاجرا وسجينا وثائرا افتراضيا ، سلك هو دربا مغايرا  إلى قبة البرلمان، فهكذا نجا " طارق الخولي" من مصير الآخرين.

 

بدأ طريقه معارضا كعضو مؤسس في حركة شباب 6 أبريل، غير أنه تبرأ من الحركة وهاجمها واتهمها بتلقى تمويلات أجنبية، وبعد انشقاقه عنهم  أسس ما يعرف بائتلاف " الجمهورية الثالثة".

 

وبخلاف رفقائه الثوار رأى "الخولي" أن قانون التظاهر لا يختلف كثيرا عن دول كأمريكا وألمانيا وفرنسا، وأزمته فقط في جزئيتي  "الإخطار والعقوبة التي تصل إلى الحبس"، مشددا أن التظاهر دائما يجب ألا يكون من أجل التظاهر فقط.

 

 وبعد 30 يونيو انضم للحملة الانتخابية للرئيس عبدالفتاح السيسي، ومع بداية ظهور قائمة "في حب مصر" انضم تحت لوائها ووصل منها إلى البرلمان بعد فشله في انتخابات 2011 حين ترشح على قائمة الثورة مستمرة، وفي الذكرى الخامسة لثورة يناير رفض "الخولي " الدعوات الخاصة بالنزول لإحيائها، وذلك حتى لا تستغل من قبل جماعة الإخوان المسلمين.

 

اقرأ أيضا